بلكونة - الشعار

ما القيمة الحقيقية من إعلانات العيد؟

بين دهشة إعلانات «زين» التي تركت أثرها علينا، وخوف العلامات التجارية من النسيان، يبرز سؤال وسط هذه «الزحمة» الإعلانية: ما جدوى إعلانات المواسم؟

ما القيمة الحقيقية من إعلانات العيد؟
ما القيمة الحقيقية من إعلانات العيد؟

لا أنسى دهشتي الأولى بإعلانات «زين» حين كنت صغيرًا؛ تلك الأغاني والكلمات الرنانة التي ظللت أرددها طوال العام، حتى يأتي إعلان رمضان الجديد فينسيني ما قبله.

كانت إعلانات موجهة بشكل مباشر للأطفال لينعموا بأغاني رمضان والعيد التي لا تُنسى، بينما يتلوها في الشاشة إعلان بنك يبشّر بتيسير القروض، وإعلان شركة اتصالات تُخبرنا أنها الأفضل في البلد. يتنوع المهرجان الإعلاني، لكن لم يعلق في ذاكرتي حينها سوى أغنية «زين».

حين كبرت ودخلت غِمار عالم كتابة الإعلانات، بدأت أرى سيل الجهات الباحثة عن إعلانها الرمضاني، وإن جاء العيد فلا بأس بإعلان آخر. تتنوع طلباتهم بين من يريد أغنية موجهة للجميع، وهو ما يعجز عنه حتى طلال مداح، أو سكتش كوميدي يمنح العلامة روحًا مختلفة. كل ذلك قبل أن يواجه الإعلان مصيره الأغلب: زر التخطي على منصات البث.

فالسؤال وسط هذه «الزحمة» الإعلانية: ما جدوى إعلانات المواسم؟

خوفًا من النسيان 

ربما تكمن الإجابة في خوفنا القديم من النسيان. في هذا الركض المحموم، لا تبحث العلامات التجارية عن بيع منتج فوري بقدر ما تبحث عن حضور يقيها وحشة الغياب. رمضان والعيد موسمان استهلاكية في جداول التسويق، وهما من الأوقات القليلة التي نتفق جميعًا على عيشها في اللحظة ذاتها وبالشعور ذاته تقريبًا. مائدة الإفطار وزحمة الأسواق قبل العيد ورائحة البخور، كلها طقوس جماعية. والشركات تدفع ميزانياتها الضخمة لتحجز كرسيًا خفيًا على هذه الطاولة، لتقول لنا بخجل حينًا وبصخب أحيانًا:

 «نحن هنا، نشبهكم، ونعيش ما تعيشون»

لكن المفارقة أننا نعيش اليوم في عصر تخطي الإعلان؛ تلك الثواني الخمس التي ننتظر انقضائها بفارغ الصبر لننقر على الشاشة ونمضي. لقد فقدنا تلك الشاشة الواحدة التي كانت تجمع العائلة في صالة المنزل، حيث كان الإعلان جزءًا من الحكاية التلفزيونية وتفصيلًا من تفاصيل المساء، وليس مقاطعة مزعجة. اليوم صغرت الشاشات وتعددت وتشتت انتباهنا، وأصبحت المسافة بين المشاهد والعلامة التجارية محكومة بلمسة إصبع متبرمة. فكيف لكاتب إعلانات أن يزرع أغنية في ذاكرة طفل، والطفل نفسه غارق في بحر من المشتتات لا تمنحه فرصة للدهشة؟

لو سمحتوا ،للكاتب رأي مُختلف 

وبالتأكيد لا بد من توضيح شأن مهم: يجب أن تمنح إدارة التسويق الكُتّابَ حريتهم في إبداء آرائهم حول ما قد ينفع للظهور الرمضاني أو في العيد. أحترم نوستالجيا مدير التسويق في محاولة إيجاد أنشودة طفولية للترويج لمنتجه، لكن هويته المعروفة في المجال لا تسمح بذلك. لست ضد «الشطحات» في الإعلانات، بل هي ما تمنح الكُتّاب قيمتهم الإبداعية، لكن لا يجب أن يقع الكاتب ضحيةً لها فيصبح قضية رأي عام على منصات التواصل الاجتماعي، لأن الإعلان لا يلائم المناسبة ولا الجهة، ولا يقبل التطبيق أصلاً.

وبالتأكيد لا أُلغي أهمية أن يكون الكاتب مطّلعاً على السوق وليس فقط «بائع أفكار»، علينا نحن يا معشر الكُتّاب أن ننظر إلى الكتابة باعتبارها إرثاً شخصياً في نهاية المطاف، أكثر من كونها «بيع فكرة». فالاجتهاد في تقديم الفكرة وخلقها أهم بكثير من محاولة استنساخ فكرة سابقة وقولبتها ضمن قالب الجهة، لتنجح الفكرة «المنسوخة» في إقناع العميل باقتنائها.

فقيمة الكاتب تكمن في صنع فكرة أصيلة تشبه الجهة والوكالة وترضي غروره الكتابي، وإن كان الأمر لا يعدو نسخ فكرة وتغيير تفاصيلها، فالأجدر أن يكون مسماه الوظيفي «ناسخًا»، ونبحث نحن عن كاتب حقيقي.

هوس الأرقام
 

الجدوى لا تُقاس دائمًا بلغة الأرقام والمبيعات المباشرة (ROI) التي تطالب بها إدارات التسويق، الجدوى الحقيقية تكمن في التراكم. ذلك الأثر البطيء، والخفي، الذي لا نلحظه في لحظته. تمامًا كما حدث معي ومع إعلان «زين» القديم؛ هم لم يبيعوني خطًا هاتفيًا في ذلك العمر، ولم أكن ضمن شريحتهم المستهدفة ماليًا، لكنهم اشتروا مساحة دافئة في ذاكرتي، مساحة استيقظت بعد سنوات طويلة لتجعلني أبتسم كلما تذكرتهم. الشركات التي تفهم هذه اللعبة العميقة، تعرف أن الإعلان الموسمي الناجح هو ذلك الذي يتخلى عن عقلية التاجر لثوانٍ معدودة، ليرتدي ثوب الحكواتي، فالارتباط العاطفي بالجمهور مُهم جدًا، وهو ما لن تحصل عليه دون صناعة قصة تبقى راسخة في وجدان المشاهد.

في نهاية المطاف، ومع انقضاء المواسم وزوال الزحمة، نحن لا نتذكر من كل تلك الحملات إلا من لامس شيئًا حقيقيًا وهشًا فينا.

أن تنجح وسط هذا الضجيج في إيقاف إصبع المشاهد عن الضغط على زر تخطي، لا لشيء إلا لأنك ذكّرته بضحكة قديمة، أو دمعة عزيزة، أو ربما لأنك أعدته طفلاً يتسمر أمام الشاشة ليردد أغنية، تماماً كما فعلت بي إعلانات طفولتي التي نجت من مقصلة النسيان.

المنظمات ذات الصلة

العائد على الاستثمار - Return on Investment (ROI)

العائد على الاستثمار - Return on Investment (ROI)

مقياس يستخدم لتقييم مدى فعالية استثمار معين من خلال حساب الربح العائد مقارنة بالتكلفة

حملة إعلانية - Advertising Campaign

حملة إعلانية - Advertising Campaign

سلسلة من الإعلانات التي تهدف إلى تحقيق هدف معين، مثل زيادة المبيعات أو الوعي بالعلامة التجارية.

التسويق الموسمي - Seasonal Marketing

التسويق الموسمي - Seasonal Marketing

استغلال المناسبات الكبرى كرمضان والعيد لإطلاق حملات إعلانية مكثفة تستهدف الحالة الوجدانية والشرائية الموحدة للجمهور في تلك الفترة.

اقرأ المقال التالي