بلكونة - الشعار

هل نشهد نمط تسويقي جديد للمسلسلات؟

مع مسلسلات مثل «شارع الأعشى» التي تحول نقاشها إلى حدث قائم بذاته، فمشاهدة الحلقة ليست سوى البداية، يتبعها نقاش وتحليل وتفاعل مع كل المحتوى المرتبط بالمسلسل على مواقع التواصل. فكيف تغيرت المعادلة؟ وكيف انتقل معيار النجاح من عدد المشاهدات، إلى حجم الضجيج على مواقع التواصل؟

هل نشهد نمط تسويقي جديد للمسلسلات؟
هل نشهد نمط تسويقي جديد للمسلسلات؟

كان الإعلان عن مسلسل يعني في الغالب: بوستر أنيق، مونتاج تشويقي على موسيقى درامية، وربما مقابلة في برنامج تلفزيوني يُسأل فيها الممثل عن «أصعب مشهد أدّاه». ثم ننتظر عرض الحلقات، حلقة بعد حلقة. نشاهدها مع العائلة، وننصرف إلى روتيننا فور انتهائها. أما اليوم، ومع مسلسلات مثل «شارع الأعشى» التي صنعت ضجيجها قبل أن تنتهي حلقاتها، فمشاهدة الحلقة ليست سوى البداية، يتبعها نقاش وتحليل وتفاعل مع كل المحتوى المرتبط بالمسلسل على مواقع التواصل. فكيف تغيرت المعادلة؟ وكيف انتقل معيار النجاح من عدد المشاهدات، إلى حجم الضجيج على مواقع التواصل؟

إبداع الجمهور هو الأساس

الحملات التسويقية التقليدية كانت أحادية الاتجاه: شركة الإنتاج تُطلق محتوى، الجمهور يستهلكه، وتنتهي القصة. ما تفعله الحملات الناجحة اليوم مختلف: تترك فراغات مقصودة يملؤها الجمهور بنفسه.

نظريات حول الحبكة، تصاميم يصنعها المعجبون، «ميمز» تنتشر أسرع من أي إعلان مدفوع، ومقاطع مونتاج يصنعها شخص لا علاقة له بالإنتاج لمجرد أنه أُعجب بعمل ما. كل هذا هو ترويج لم تدفع عليه الشركة ريالًا واحدًا، لكنه أكثر تأثيرًا من أي شيء خططت له. أحيانًا قد يمتد هذا التأثير ليشمل الحبكة الأصلية، فنجدها تتبدل إرضاءًا للجمهور، فتعود شخصيات من الموت، وتُبتكر شخصيات من العدم. و«شارع الأعشى» نفسه لم يكن بعيدًا عن هذه الظاهرة، إذ تحولت نقاشات الجمهور حول مصير بعض الشخصيات إلى ضغط حقيقي أثّر في مسار الأحداث، فشاهدنا عودة «سعد» مع بداية الموسم الثاني وتقديم لشخصية «خالد». 

حين يصنع المشاهد محتوى عن مسلسلك، فهو لا يُعلن عنه، هو يتبناه. والناس يثقون في توصية شخص مثلهم أكثر بكثير من ثقتهم في أي حملة مدفوعة، مهما كانت محكمة الصنع. الجمهور في هذه المعادلة لم يعد مستقبلًا خامل، إنما تحول إلى جزء فعّال وأساسي في الحملة التسويقية، دون علم منه.

من عزلة الجدران إلى المجالس الرقمية

خلال السنوات الأخيرة، تحولت طبيعة تجربة المشاهدة نفسها. سابقًا كنا إما أن نشاهد الحلقات بمفردنا أو مع العائلة، ولا يطول النقاش لأكثر من ساعة. أما اليوم، فتجربة المشاهدة ممتدة وطويلة، تستمر طوال مدة عرض المسلسل، وتخرج من شاشة التلفاز إلى شاشات هواتفنا، وتنتقل إلى الشارع عبر نقاشات في الأماكن العامة وإعلانات في الشوارع والمحلات. 

الناس لم يعودوا يشاهدون المسلسل بمعزل عن بعض، يشاهدونه مع بعض حتى وهم في بيوت مختلفة. ينتظرون الحلقة الجديدة ويتحدثون عنها في نفس اللحظة، وينتجون حولها محتوى قبل أن تنتهي. وهذا النوع من الارتباط الجماعي أعاد صياغة مفهوم «المجالس» في العصر الرقمي؛ فلم يعد المشاهد متلقيًا قابعًا في عزلة جدرانه، بل صار جزءًا من نسيج اجتماعي عريض، ينسج مع الغرباء والأصحاب تأويلات وتوقعات حية. إننا أمام حالة من التزامن الشعوري، حيث تتلاشى المسافات الجغرافية لصالح لحظة ترفيهية مشتركة، تجعل من عرض المسلسل حدثًا ثقافيًا متكامل الأركان، يتجاوز كونه مجرد تسلية عابرة ليدخل في صميم اليوميات، ويتحول إلى محرك للتفاعل البشري الذي يكسر رتابة الوحدة الرقمية.

حين يتحول الممثل إلى مؤثر

الجديد ليس أن الممثلين باتوا نشيطين على مواقع التواصل، هذا حدث منذ سنوات. الجديد أنهم باتوا يتفاعلون مع مسلسلاتهم بينما تُعرض، بشكل حقيقي وغير مُعلَّب. يجلسون أمام الشاشة مثل بقية الجمهور، يشاهدون الحلقات مع عائلاتهم، يعلّقون عليها، يتفاعلون مع ردود الأفعال، وأحيانًا يتظاهرون بالصدمة من أحداث هم أنفسهم صوروها قبل أشهر.

بلكونة

قبل سنوات، كانت المقابلة الرسمية هي الفضاء شبه الوحيد المتاح للممثل خارج العمل. أما الآن فالممثل يظهر في بودكاست لمدة ساعتين يتحدث بلا سيناريو واضح، وينشر كواليس لم تخطط لها إدارة التسويق، ويشارك في ترند صنعه الجمهور، ويظهر في برامج ومقابلات تغلب عليها العفوية. هكذا تضائلت الهيبة وحلت محلها الألفة. 

بلكونة

وهذا قرار تسويقي ذكي في جوهره. فالفنان الذي تشعر بقرُبه ينسج معك ارتباط عاطفي يعجز عنه النجم القابع في برجه العاجي. الممثل الذي تتابعه يوميًا لا تشاهد مسلسله فحسب، أنت تتابع امتدادًا لشخص تعرفه. والفرق بين مشاهد يضغط تشغيل لأنه رأى إعلانًا ومشاهد يضغط تشغيل لأنه يريد أن يرى «فلان» فرق جوهري في مستوى الاهتمام والولاء. 

قياس الجدوى

لكن هل هذا كله يُترجم إلى نتائج قابلة للقياس؟ سؤال مشروع، لأن كثير من الحديث عن «بناء المجتمع» و«الألفة» يبقى في فضاء الكلام الجميل ما لم نأخذه إلى معايير الجدوى الفعلية.

رصد فريق بلكونة خلال الأيام الثلاثة عشر الأولى من رمضان أن إجمالي الظهور للمنشورات المرتبطة بالمسلسل وصل إلى 4.17 مليار على منصة «X» فقط، وأكثر من 1.08 مليون تغريدة. يقود هذا التفاعل ردة فعل عفوية من المشاهدين للمسلسل، والخوارزميات تكافئ العفوية.

ولا يمكننا أن نذكر الأرقام ونٌغفل الجغرافيا، فالحديث عن المسلسل تجاوز الخليج وامتد لمناطق خارج الوطن العربي، وهو ما يصعب تحقيقه بالأساليب التقليدية مهما كانت ميزانيتها. قد نختلف أو نتفق حول جودة حبكة المسلسل واللهجة وما إذا كان العمل يعكس واقع مجتمعنا فعلًا، لكن الحقيقة أنه حقق نجاح كبير ووصول واسع لم نشهده لأي مسلسل سعودي أو خليجي منذ مدة طويلة، وتفاعل الجمهور هو الركيزة الأساسية لهذا النجاح. 

خلاصة

ما يحدث في تسويق المسلسلات اليوم هو تغيير في الفلسفة. المعادلة القديمة كانت: أنتج محتوى جيد وادفع لإيصاله. المعادلة الجديدة: أنتج محتوى جيد، افتح مساحة حقيقية للجمهور، ودعه يُكمل العمل التسويقي بدلًا عنك.

لقد أثبتت تجربة «شارع الأعشى» أن المشاهد المعاصر يبحث عن «مجلس» ينتمي إليه، وقصة يتبناها، وممثل يشعر بقرُبه. أصبح النجاح الحقيقي يتجسد في تلك الحيوية التي تجعل المسلسل جزءًا من هوية الجمهور اليومية، وتتجاوز بكثير مجرد أرقام المشاهدات الصامتة.

المنظمات ذات الصلة

المحتوى الذي ينشئه المستخدم - User-Generated Content (UGC)

المحتوى الذي ينشئه المستخدم - User-Generated Content (UGC)

المحتوى الذي يتم إنشاؤه من قبل العملاء أو الجمهور حول علامة تجارية معينة، مثل التعليقات أو المراجعات.

التسويق بالمجتمعات - Community Marketing

التسويق بالمجتمعات - Community Marketing

بناء مجتمع متفاعل حول علامة أو عمل ما بدل الاكتفاء بالوصول الإعلاني.

اقرأ المقال التالي