متى صارت الكتابة وظيفة؟
حين نكتب اليوم، غالبًا نفكر في القارئ قبل الفكرة، وفي الصياغة قبل أن نسأل أنفسنا: هل هذا ما نريد قوله فعلًا؟ هذا التحول غيَّر موقع الكتابة في حياتنا من «فعل وجود» إلى «أداة إنتاج».

قصة أولى
تاريخيًّا، قبل أن تكون الكتابة وظيفة؛ كانت «دليل طريق» ومستودع خلود. عند العرب، كانت النقوش على الجبال بصمات ذكية يتركها المسافرون ليثبتوا عبورهم من هنا؛ فكانت الكتابة «إثبات وجود» يحفظ الهوية والقبيلة من الاندثار.
وفي موازاة ذلك، عرفت الحضارات القديمة الكتابة كأداة «نفعية» لإدارة الحياة؛ ففي مصر القديمة وُلدت «بردية هابو - The Papyrus of Habu» (المحفوظة اليوم في المتحف البريطاني)، لتسجل اللحظة التي مُنحت فيها الكلمة أول مَهمة تجارية في التاريخ. تلك البردية جسّدت بذكاءٍ مبكر مفهوم «المحتوى التسويقي»؛ حيث طلب صاحبها استعادة عبدٍ هارب، واستثمر السطور الأخيرة ليدعو القارئ إلى متجره حيث «تُنسج الأقمشة التي تناسب أذواقكم». كانت تلك البدايات إعلانًا صريحًا عن قدرة الكتابة على التحول من مجرد إرشاد للعابرين، إلى صناعة للمنفعة والمستقبل.
التحوُّل الأكبر: الكلمة في مواجهة السوق
تغير موقع الكلمة حين دخلت الفلسفة، ثم جاء المنعطف الحقيقي مع الطباعة والصحافة؛ عندها خرجت الكتابة إلى الرصيف وبدأت تلامس «السوق». ومع ولادة الإعلانات، تحول الكاتب من صاحب رؤية إلى «مهندس استجابة».
في السوق العالمي اليوم، تخضع الكتابة لمعايير دقيقة مثل «الكتابة المدفوعة بالبيانات - Data-Driven Writing»، حيث يُصاغ النص بناءً على أرقام وسلوك المستخدم. وفي السوق السعودي، نعيش مواءمة فريدة بين هذه «العالمية التقنية» وبين «الخصوصية الثقافية»؛ فالكاتب هنا مطالب بأن يكون تقنيًّا في أدواته، وأديبًا في لغته التي تحترم القيم المحلية.
الكاتب اليوم، بين ما فَقده وما اكتسبه
ماذا فَقَد الكاتب؟ فَقَد «ترَف التردد»، والقدرة على الانتظار حتى نضوج الفكرة، وذاب «صوته الفردي» في كثير من الأحيان داخل «نبرة العلامة التجارية».
ماذا اكتسب الكاتب؟ اكتسب مهارة «التفكير الإستراتيجي»؛ فصار يعرف متى يصمت ومتى يصرخ نصيًّا. اكتسب سرعة البديهة، والقدرة على التكيف الرقمي، وفهم سيكولوجية الجماهير بدقة غابت عن الأدباء قديمًا.
مهام جديدة.. وتساؤلات إنسانية
صارت الكتابة وظيفة تتطلب الوضوح والإقناع والاتساق الدائم. ومع صعود الذكاء الاصطناعي، تضاعفت هذه التوقعات؛ نصوص مصقولة، بلا أخطاء، وبلا تردد. هذه المثالية التقنية أوجدت فجوة؛ فنحن نقرأ نصوصًا ناجحة تسويقيًّا، لكنها تفتقد النبرة الإنسانية التي تجعل القارئ يتوقف. لهذا نشعر اليوم أن كثيرًا من المحتوى ينجح إعلانيًّا، يؤدي الغرض، ويمر سريعًا دون أن يعيش طويلًا.
هل الإعلان يعارض الكتابة الإبداعية؟
الإبداع الحقيقي يعزز «الوظيفة»، ويرفعها من مجرد «أداء مَهمة» إلى «صناعة أثر». السؤال الأهم اليوم هو: كيف نحافظ على إنسانية النص وهو يؤدي دوره المهني؟ وكيف نكتب إعلانًا يُقنع الجمهور، ويحتفظ بصوته الفريد في آنٍ واحد؟
أخيرًا
وظيفة الكتابة اليوم هي التوفيق بين «عقل المهندس» و«قلب الشاعر». وما نحتاجه هو كاتبٌ يتقن مهارات السوق، ويحرس في الوقت ذاته صدق الكلمة.
تَفكر في زحام مهامك اليومية، هل تشعر أن «الوظيفة» أضافت لقلمك عضلات جديدة، أم أنها أخذت منه عفويته؟










