مجتمع POV

اللقاء الثاني عشر لمجتمع POV: الوجه الآخر للعناوين

اللقاء الثاني عشر «لمجتمع POV» يأخذنا لطبقات العناوين وأساليب كتابتها مع الخبيرة الإبداعية «خلود العيسى»

اللقاء الثاني عشر لمجتمع POV: الوجه الآخر للعناوين
مجتمع POVمساحة لكُتاب المحتوى العاملين في وكالات التواصل والإعلام والتسويق، لتبادل الخبرات والآراء ووجهات النظر حول موضوعات متنوعة.

هل سبق وأن مررت بمنزل و استوقفتك قليلًا واجهته؟ وأصبح الفضول سيد الموقف: كيف يبدو من الداخل؟ لم تدخل بعد، لكن كَوّنت شعورًا، توقعًا، وربما حكمًا كاملًا. الواجهة فعلت كل ذلك قبل أن ترى أي تفاصيل من داخل المنزل.

ومن هنا كانت بداية لقائنا بطرح سؤالٍ بسيط: ما أهمية العنوان للنص؟

توصلنا إلى أن القارئ قبل أن يمنحك دقيقة من وقته، قد كون فكرته بالفعل عن النص، من خلال العنوان الذي يعد بمثابة الواجهة والتصور الأول لهذا النص، منه يبدأ القارئ بالدخول أو يمر دون أن يلتفت له. 

في مكتب مدينتي التابع «لأمانة منطقة الرياض» اجتمعنا لـنجيب عن سؤال: ماذا يفعل العنوان إدراكيًا؟

تحدثنا عن السلسة التي تتشكل داخل عقل القارئ بعد قراءته للعنوان

  • العنوان: يخلق فرضية.

  • القارئ: يقرأ ليؤكد أو ينفي هذه الفرضية. 

  • العقل: يرشّح ما يخالفها.

تذكّر! في غالب الأحيان يتم قراءة النص من خلال عدسة تشكّلت مسبقًا.

لكن السؤال الأهم كان: كيف نكتب عنوانًا مؤثرًا؟

عزيزي القارئ ليس هناك وصفة جاهزة بعينها، لكن هناك وعي وتوازن بين طبقات وأسئلة يضعها الكاتب حتى يحقق أهدافه من العنوان.

على سبيل المثال:

  • ماذا يقول العنوان؟

  • ما الشعور الناتج من هذا العنوان؟

  • هل يوجد ما يلفت انتباهه فعلًا؟

  • كيف تُعرض الفكرة؟

  • ماذا يفترض أن يفعل القارئ بعد قراءة العنوان؟

كل هذه الأسئلة تحدث في لحظة واحدة حتى لو لم نلحظها.

إذا فهمنا كيف يُقرأ العنوان وكيف تتشكّل الفكرة قبل الدخول إلى النص، نتوصل إلى نقطة مهمة، بأن الكاتب يستطيع التحكم بـ5 طبقات تعمل في آن واحد، وهي: 

  • الطبقة التجريدية: ما الذي تقوله كلمات العنوان حرفيًأ؟

هنا يتم اختصار القصة إلى هيكلها الأساسي أو خبرها الخام ، بعيدًا عن أي هدف أو مشاعر.

  • الطبقة الشعورية: ما الإحساس الذي يستدعى بعد قراءته للعنوان؟

هل شعر القارئ بالقلق؟ الفضول أو الاطمئنان؟

  • طبقة التحيزات: ما الذي يتم تفعيله في ذهن القارئ؟

هل هناك خوف من الفوات؟ أو انجذاب لما يفعله الآخرون؟ أو غير ذلك.

  • طبقة التأطير: كيف تُعرض القصة؟

كخسارة؟ أم فرصة؟ كمشكلة أو كحل؟

  • طبقة النية: ما الفعل المطلوب من القارئ.

هل نريده أن يقرأ ليقتنع؟ أو يتفاعل؟ أم يشارك؟ 

لتوضيح هذه الطبقات، توقفنا عند مثالٍ بسيط:

شركة تقلّص عدد الموظفين بسبب الخسائر.

الطبقة التجريدية: هذا هو الخبر في صورته الخام.

لكن بمجرد أن نعيد صياغته كعنوان، تبدأ بقية الطبقات بالعمل:

وهنا ثلاث مقترحات لإعادة صياغة الخبر وتحويله إلى عنوان.

1- إعادة صياغة الخبر: شركة تفصل 100 موظف.

يظهر الحدث بصيغة مباشرة مع شعور أقرب للحدّة، وتأطير يميل للخسارة، وردّة فعل متوقعة: صدمة، غضب، وتعاطف مع 100 موظف.

2- إعادة صياغة العنوان: إعادة هيكلة لتقليل الخسائر.

نفس الحدث لكن الشعور تغير، واللغة أصبحت أكثر هدوءًا، والتأطير أقرب للمنطق والتنظيم، مساحة للتفاوض بين الشركة والموظف.

3- إعادة صياغة العنوان: خطوة لإنقاذ الشركة

في هذه الصياغة تغير كل شيء، الزاوية أصبحت إيجابية للشركة، والشعور أقرب للأمل، والقارئ يتنبأ موقفًا داعمًا.

ومن هنا تتضح الفكرة أكثر: العنوان يحدد كيف نشعر، كيف نُفْهم، و بماذا نتحكم.

وإذا كانت هذه الطبقات هي ما يبني العنوان، فإن هناك أساليب معيّنة تساعد الكاتب على تفعيلها بذكاء.

 أدوات تستخدم حسب السياق أكثر من كونها قواعد جامدة أو ثابتة.

أولًا: فجوة الفضول

أن تقول جزء وتترك جزء.

تعطي القارئ ما يكفي ليفهم، ولا تعطيه ما يكفي ليكتفي من النص. فيبقى السؤال مفتوحًا، والرغبة في المعرفة هي ما تدفعه للاستمرار.

ثانيًا: التحديد

العنوان الواضح يُقنع أكثر، حين تضيف رقمًا، أو تفصيلة دقيقة، فهذا شرح يعزّز مصداقيتك.

مثل: أخطاء شائعة ، 3 أخطاء شائعة. إضافة الرقم عزز من مصداقية العنوان.

ثالثًا: التأطير

زاوية الفكرة.

أحيانًا يكون التأثير في كيف تقول الشيء لا في الشيء نفسه، أن تقدم فكرة ضد الشائع أو تعكس اتجاهها.

مثل: أكثر نصيحة منتشرة هي سبب فشلك. هذه المعلومة كسرت توقعًا جاهزًا مسبقًا في ذهن القارئ.

رابعًا: الدليل الاجتماعي

كيف يتأثر القارئ بما يفعله الآخرون.

الناس في معظم الأحيان تنظر حولها قبل أن تقرر، وحين تُشر إلى أن آخرين سبقوك في فعلٍ ما، فأنت تقلّل التردد.

مثل: أكثر من 1000 مستخدم اعتمدوا هذه الطريقة.

وهذه الأساليب ليست قائمة حصرية، هي خيارات تتغيّر بحسب السياق والمعطيات لكل نص. ولا تعمل بشكل منفصل، بل تتقاطع مع الطبقات التي تحدّثنا عنها مسبقًا. وتكمن قيمتها في اختيار الطبقة المناسبة لكل أسلوب.

وقبل أن نختم، راودنا سؤال طبيعي: 

في مقابل هذه الطبقات و الأساليب ما الذي يجعل العنوان ضعيفًا؟

هناك أخطاء تتكرر في كتابة العنوان تؤثر مباشرة على وضوحه وتلقيه في ذهن القارئ.

أولها العمومية:

عندما يكون العنوان واسعًا لدرجة أنه لا يقدّم أي معنى محدد.

ثانيًا: المبالغة المفرطة:

حين يتجاوز الوعد حجم المحتوى؛ يفقده مصداقيته قبل أن يصل القارئ للنص.

ثالثًا: غياب النية:

عنوان يبدو جميلًا، لكنه لا يُجيب على سؤال بسيط: لماذا كُتب هذا العنوان؟

رابعًا: الانفصال عن المحتوى:

حين لا يعكس العنوان ما في داخل النص، يحدث خلل بين التوقع والتجربة. ويؤسفني أن أخبرك بأن هذه النقطة قد تكلفك ثمن إعادة ثقة ومصداقية جمهورك بنصوصك.

خامسًا: تجاهل السياق:

وهو التعامل مع العنوان وكأنه ثابت، دون مراعاة اختلاف الجمهور أو اللحظة أو الهدف. 

وفي نهاية المطاف خرجنا بوعي مختلف، وعي يجعلنا نتوقف قبل أن نكتب، ونسأل أنفسنا: كيف سيُرى هذا النص قبل أن يُقرأ. لأن الكاتب بكتابته للعنوان لا يختصر النص بقدر ما يخلق الفرضية الأولى له. وبين ما يحدث وما نقرأ تتشكل المشاعر التي نصنعها حول النص.

وقبل أن نسدل الستار لم يكن ليأخذ هذا اللقاء شكله لولا مساحة أتاحها فريق «بلكونة» ومجتمع POV بالتعاون مع «أمانة منطقة الرياض». فشكرًا  للقائمين على هذه المساحة، وإلى لقاء آخر. 

الفرضية الإدراكية - Cognitive Hypothesis

الفرضية الإدراكية - Cognitive Hypothesis

التصور الذهني المبدئي الذي يبنيه القارئ حول محتوى النص فور رؤية العنوان.

طبقة التأطير - Framing Layer

طبقة التأطير - Framing Layer

الزاوية التي توضع فيها المعلومة كفرصة أو كخسارة لتوجيه كيفية فهمها واستيعابها.

فجوة الفضول - Curiosity Gap

فجوة الفضول - Curiosity Gap

المسافة بين ما يعرفه القارئ وما يجهله، وتستخدم في العنوان لتحفيزه على القراءة لسد هذه الثغرة.

اقرأ المقال التالي