مكانك المطبخ: حملة تستفز الجمهور
حصدت حملة «مكانك المطبخ» من «كوزين بلس» ملايين المشاهدات، وشهدت تفاعلًا كبيرًا غلب عليه النقد، فما حدود الاستفزاز في التسويق؟

بين الحين والآخر، تظهر حملات إعلانية تتبع أسلوب «التسويق بالاستفزاز». تعتمد هذه الحملات على إثارة ردة فعل مباشرة من الجمهور، سواء كانت دهشة أو صدمة أو حتى غضب. الفكرة بسيطة: كلما كان التفاعل أعلى، زاد الانتشار. لكن الانتشار وحده لا يكفي. السؤال الأهم: أي نوع من المشاعر نزرع في ذهن الجمهور عندما نطرق بابه لأول مرة؟
في عالم سريع الإيقاع، قد يبدو الاستفزاز طريقًا مختصرًا إلى الضوء. لكنه طريق محفوف بالخسائر إذا لم يُحسب بدقة.
حملة مكانك المطبخ
أطلقت شركة المطابخ «كوزين بلس» حملة إعلانية بالتعاون مع عدد من المؤثرين، من بينهم ممثلة، ولاعبة رياضات إلكترونية، ومقدم بودكاست. جاء الشعار صريحًا: «يخلّي مكانك المطبخ». وتقوم الفكرة على تصوير المطبخ بوصفه الداعم الرئيسي لهؤلاء، أو السر الخفي وراء نجاحهم. فـ«وراء كل لاعبة محترفة، مطبخ» و«وراء كل ممثلة عظيمة، مطبخ» و«وراء كل مؤلف عظيم، مطبخ».
المحاولة تبدو، في ظاهرها، إعادة صياغة لعبارة دارجة لطالما ارتبطت بإيحاءات تقليدية حول دور المرأة. لكن التنفيذ حمل مخاطرة واضحة. خلال ساعات من إطلاق الحملة، امتلأت حسابات «كوزين بلس» على منصات التواصل بردود فعل غالبيتها سلبية. كثير من التعليقات اعتبرت الشعار معززًا للصورة النمطية، حتى وإن كانت النية عكس ذلك.
تزايد الجدل دفع أحد المشاركين في الإعلان «madv» إلى نشر تغريدة توضيحية تشرح فيها موقفها من المشاركة في الحملة وسياق الفكرة، مما يعكس حجم الضغط الذي وُضع فيه صناع المحتوى المرتبطون بالحملة.

الاستفزاز: سلاح ذو حدين
الاستفزاز في التسويق ليس خطأ بحد ذاته. لكنه أداة دقيقة وحساسة. هناك نوع محمود، يستثير في المشاهد مشاعر إيجابية مثل الدهشة والفضول. هذا النوع يعتمد على فهم عميق للسياق الثقافي، وعلى قدرة العلامة على احتواء النقاش وتوجيهه.
في المقابل، هناك استفزاز يحرك مشاعر سلبية مباشرة: الغضب، الاستياء، الشعور بالإهانة. هنا يتحول التفاعل إلى هجوم. ويصبح الانتشار مرتبطًا بالرفض لا بالإعجاب.
الفرق بين النوعين ليس في الجرأة، إنما في فهم الحساسية. هل يشعر الجمهور أنك تتحداه بذكاء؟ أم أنك تستخف بتجربته ووعيه؟ في الحالة الأولى، قد تكسب احترامًا حتى من المختلفين معك. في الثانية، تخسر التعاطف من البداية.


التسويق بالاستفزاز ينجح عندما يكون جزءًا من رؤية واضحة، لا مجرد وسيلة سريعة لجذب الانتباه. وهو يتطلب استعدادًا لتحمل تبعاته، لا الاكتفاء بصدمة أولى ثم البحث عن تبرير لاحق.
تكلفة الاستعجال
ليس من الحكمة أن يكون أول شعور تستثيره حملتك لدى فئتك المستهدفة هو الحنق. فعندما تبدأ علاقتك مع الجمهور بمشاعر سلبية، فإنك تضع حاجزًا نفسيًا يصعب تجاوزه لاحقًا.
انطلقت الحملة في 20 فبراير، وبلغ التفاعل ذروته في اليوم التالي. بالتزامن مع الإطلاق، تعاونت «كوزين بلس» مع مجموعة من أبرز المشاهير والمؤثرين على منصة إكس مثل «للي» و«بندريتا» وغيرهم، ما منحها دفعة انتشار واسعة منذ الساعات الأولى.
خلال فترة الحملة، بلغ إجمالي الظهور 99.6 مليون ظهور لكل المنشورات المرتبطة بها، ووصلت إلى أكثر من 12.6 مليون شخص.

في حالة «كوزين بلس»، ربما كانت النية إعادة تأطير مقولة شائعة بطريقة ساخرة أو معاكسة للتوقعات. لكن القراءة السائدة للحملة لم تلتقط هذا البعد. ما حدث هو موجة استياء انعكست في سيل التعليقات والانتقادات على منصات التواصل. ومع تصاعد النقاش، غابت العلامة ومنتجاتها وعروضها وسط الضوضاء التي خلقتها فكرة الحملة.
قد يرى البعض أن الحملة نجحت في تحقيق زخم أعلى مما كانت ستحصل عليه لو لعبت على المضمون. الانتشار سريع وعدد التفاعلات كبير، لكن السؤال الجوهري هو: هل يستحق كل هذا الزخم الثمن الذي دفعته العلامة من سمعة وثقة الجمهور؟
مثل هذه الحملات قد تحقق وصولًا واسعًا في وقت قصير، لكنها تترك أثرًا طويل الأمد على السمعة. العلامة التجارية لا تُبنى فقط على جودة المنتج، بل على الصورة الذهنية المتراكمة. وعندما ترتبط هذه الصورة بإحساس بالإساءة أو التقليل، فإن استعادة الثقة تتطلب جهدًا مضاعفًا.
هناك أيضًا أثر جانبي آخر: وضع المؤثرين في مواجهة مباشرة مع جمهورهم. حين يضطر أحد المشاركين إلى التوضيح أو الدفاع، فإن الحملة لم تعد تحت سيطرة العلامة بالكامل. وهذا مؤشر على أن الرسالة لم تُحكم صياغتها بما يكفي.
السرعة في إطلاق فكرة جريئة قد تمنحك وهج مؤقت، لكن غياب اختبارها اجتماعيًا وثقافيًا قد يكلفك أكثر مما تتوقع.
في الختام،
قصة «مكانك المطبخ» تذكير بأن الجرأة وحدها لا تكفي. الاستفزاز قد يكون أداة فعالة، لكنه يحتاج إلى وعي عميق بالسياق وحساسية الجمهور. في النهاية، العلامة الذكية لا تبحث فقط عن ضجة، إنما تحرص على بناء علاقة مستدامة. وأي علاقة صحية تبدأ باحترام متبادل، لا بسوء فهم.
















