منتدى الإعلام السعودي: حين يتحول المحتوى إلى اقتصاد
كيف أعاد «المنتدى السعودي للإعلام» صياغة أولويات القطاع وعزز نضج الممارسة، محولاً المحتوى إلى مورد اقتصادي وقوة فاعلة في صناعة المستقبل؟

جاء انعقاد المنتدى السعودي للإعلام 2026م تحت رعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود -حفظه الله-، ليؤكد بعدًا يتجاوز حدود التجمعات المهنية التقليدية، متحوّلاً إلى منصة نوعية تستشرف مستقبل الإعلام والتحول الرقمي، وتدفع بعجلة الاقتصاد المعرفي وصناعة المحتوى نحو آفاق تنافسية وابتكارية. وتبرهن هذه الرعاية على وعي راسخ بأهمية الإعلام في تشكيل الوعي وبناء جسور الثقة، وترسيخ ثقل المملكة في المشهد الإعلامي الإقليمي والدولي؛ إذ غدا المنتدى حجر زاوية لرؤى رائدة تعيد رسم ملامح المستقبل بقيادة سعودية وحضور دولي رفيع، ليكون صوتًا مؤثرًا يعكس قوة المملكة وقيمها أمام العالم.
في تسلسل النسخ.. خبرة تترسخ
منذ انطلاقته الأولى عام 2019م، سلك المنتدى السعودي للإعلام مسارًا تصاعديًا، جعل من كل نسخة لبنة أساسية لما يليها، ضمن رؤية تراكمية ناضجة لم تهدف إلى التوسع الكمي وحده، بل ركزت على تعميق الأثر الفعلي. ولم تكن زيادة عدد الجلسات أو الحضور غاية في ذاتها، وإنما جاءت ثمرة طبيعية لنضج المحتوى واتساع دائرة الشراكات المحلية والعالمية. ومع مشاركة أكثر من 250 شركة في النسخة الخامسة، وإبرام ما يزيد على 20 اتفاقية، وتقديم 150 جلسة وورشة عمل، تأتي نسخة 2026م لتتوج هذا المسار، مؤكدة انتقال المنتدى من مرحلة التأسيس إلى مرحلة القيادة وصناعة التأثير.
المحتوى المتداول
لم يكتفِ المنتدى باستعراض القضايا، بل غاص في تفاصيل التحولات الإعلامية المعاصرة؛ فطرح تساؤلات ملحة حول الثقة في عصر الخوارزميات، ودور الذكاء الاصطناعي في تعزيز المصداقية، ومستقبل اقتصاديات الإعلام، ومسؤولية المنصات الرقمية. هذه الملفات لم تُطرح كعناوين عابرة، بل كقضايا جوهرية استوجبت نقاشًا مهنيًا مستفيضًا. وعكست الجلسات نضجًا لافتًا في الطرح وتنوعًا ثريًا في الرؤى، مما عزز مكانة المنتدى كمساحة فكرية ذات قيمة معرفية وازنة.
مبادرات نوعية
تجاوز المنتدى حدود النقاش النظري ليقدم منظومة عمل متكاملة شملت أكثر من 12 مبادرة في تطوير الإعلام والابتكار وبناء القدرات. وبرزت مبادرة «جسر الإعلام» ومركز «الخبراء» كأدوات تطبيقية لنقل المعرفة بين الأجيال، وربط التجربة الميدانية بالممارسة المستقبلية. هذه الخطوات جسدت تحوّل المنتدى من فضاء للحوار إلى منصة تمكين حقيقية، تترجم الأفكار إلى واقع مهني، وتحوّل الطموحات إلى فرص تعلم مستدامة.
الشراكات والاتفاقيات
شكلت الاتفاقيات المبرمة خلال المنتدى نقلة نوعية في دوره؛ إذ لم تعد الشراكات مجرد مخرجات آنية، بل غدت أدوات لبناء بيئة إعلامية مستدامة. ومن أبرزها تعاون «ثمانية» و«سدايا» لابتكار تجربة رقمية رياضية تدمج المحتوى بالبيانات، إضافة إلى اتفاقيات هيئة الإذاعة والتلفزيون مع جهات حكومية وتنموية لرفع كفاءة الأداء المهني.
وفي سياق بناء القدرات، تجلى التكامل في شراكة «أكاديمية MBC» مع «جامعة الأمير سلطان»، ومذكرة التفاهم بين جامعة الملك عبدالعزيز وشركة «مطارات القابضة» لتطوير الكوادر الشابة. كما كانت شراكة المنتدى مع «إكسبو 2030 الرياض» بصفة «شريك المستقبل» علامة فارقة تعكس تلاحم الإعلام مع المشاريع الوطنية الكبرى، بما يحقق مستهدفات رؤية السعودية 2030.
المنتدى كنموذج في التغطية والانتشار
على صعيد التغطية، قدم المنتدى نموذجًا متقدمًا في إدارة البث الرقمي والتفاعل؛ حيث تخطت مشاهدات البث المباشر 6 ملايين مشاهدة، وحقق أكثر من 18 مليون ظهور رقمي في ساعاته الأولى. هذه الأرقام تعكس جاهزية تقنية عالية وقدرة فائقة على تحويل الحدث إلى تجربة تفاعلية حية تتخطى حدود المكان.
المكتسبات
أسهمت هذه التجربة في تكريس مفهوم الإعلام كقوة تغيير فاعلة، وعززت التناغم بين التقنية والقيم المهنية. إن المكتسبات الحقيقية لا تُختصر في الأرقام وحدها، بل تتجلى في نضج الخطاب الإعلامي، وتطور الممارسة الميدانية، ورفع سقف التوقعات من الإعلام كشريك أصيل في صناعة المستقبل.
الأثر على الاتصال المؤسسي
ينظر مجتمع «مؤسسي» اليوم إلى مخرجات المنتدى كرافد معرفي يثري قطاع الاتصال، ويسهم في نضج الممارسة المهنية. ويؤكد المجتمع أهمية توثيق هذه التجارب لتكون مرجع للأجيال، تتحول عبره النقاشات إلى معرفة منظمة. وفي هذا السياق، يمثل المنتدى البوصلة التي تحدد توجهات القطاع، بينما تتكامل المبادرات المهنية -ومنها مجتمع «مؤسسي»- مع هذا الدور لضمان استدامة الأثر وتحويله إلى مسارات مهنية ممتدة، يشارك فيها المختصون والممارسون كشركاء في رحلة الإثراء المعرفي.
ما بعد المنتدى
بهذه المخرجات، يرسخ المنتدى السعودي للإعلام مكانه كمنصة قيادية لا تنتهي بانتهاء جلساتها، بل تستمر من خلال المبادرات والشراكات النابضة. إنه نموذج لحدث تحوّل إلى مؤسسة فكرية تقود الحوار، وتبني القدرات، وتسهم في صياغة مستقبل الإعلام العالمي من قلب الرياض.















