بلكونة - الشعار
مجتمع مؤسسي

اللقاءات المهنية الرمضانية: تحوّل في فلسفة الحدث الاتصالي

تبرز في موسم رمضان وغيره من المواسم اللقاءات التي تنظمها الجهات لاجتماع المختصين في مجال الاتصال. فكيف تعرّف مثل هذه اللقاءات مفهوم «الحدث الاتصالي»؟

اللقاءات المهنية الرمضانية: تحوّل في فلسفة الحدث الاتصالي
اللقاءات المهنية الرمضانية: تحوّل في فلسفة الحدث الاتصالي
مجتمع مؤسسيمجتمع متخصص في مجال التواصل المؤسسي، يقدم محتوى متنوع ويجمع الممارسين والخبراء بهدف توثيق التجارب وتبادل الخبرات وتطوير منظومة الاتصال المحلية.

تبرز في موسم رمضان وغيره من المواسم اللقاءات التي تنظمها الجهات لاجتماع المختصين في مجال الاتصال. ظاهريًا، تعد هذه اللقاءات مناسبات اجتماعية أو بروتوكولية، ولكنها في الحقيقة نموذجًا اتصاليًا يعكس نضج المؤسسة المنظمة في فهم دور العلاقات المهنية وصناعة المجتمعات المتخصصة. وهي تأتي من إدراك عميق بأن الاتصال ركيزة استراتيجية تتطلب مساحات واقعية، متجاوزة الخطابات الرسمية إلى تفاعل حقيقي.

لماذا هذه اللقاءات؟

تشكّل بعض المبادرات الرمضانية أثرًا نوعيًّا أكثر من كونها لقاءات اجتماعية، لقاءات مثل «سحور الدرعية» «وسحور الإعلام»، و«لقاء وِرث»، ارتبطت بالموسم بيد أنها كوّنت صورة عن تجارب مُحكمة النَسج ومصممة بعناية؛ لإعادة تعريف مفهوم «الحدث الاتصالي»، تعريفًا يرتقي به من مستوى المناسبة إلى مستوى الرسالة الراسخة، إذ جمعت هذه اللقاءات بين الحوار المهني، وبناء الشبكات، واستعراض التجارب، وتشكيل دوائر تأثير محددة المعالم، الأمر الذي منحها بُعدًا استراتيجيًا يتجاوز إطار المناسبة الزمنية.

سحور الدرعية، استثمار العمق الثقافي

بلكونة

تميّز «سحور الدرعية» الذي يُنظّم سنويًّا في منطقة الدرعية التاريخية، بتوظيف المكان بوصفه مكوّنًا ثقافيًّا شريكًا في صياغة الحدث، وعنصرًا اتصاليًا فاعلًا بما يحمله من دلالات، حيث تحوّلت الهوية التاريخية إلى منصة حوار تعكس العمق الثقافي وتدعم الرسائل المؤسسية. خُصصّ اللقاء ليكون مساحة منتقاة تجمع قيادات وممارسي الاتصال في بيئة تحمل بعدًا رمزيًا يُعلي قيمة الحوار. يبرز في هذا اللقاء التقاطع الذكي بين الثقافة والاتصال والقيادة الفكرية، وهو ما منح التجربة طابعًا نوعيًا يصعب تكراره في الفعاليات التقليدية.

سحور الإعلام، مجتمع مهني مصغر 

بلكونة

برز «سحور الإعلام» الذي تنظّمه وزارة الإعلام في صورة أقرب إلى مجتمع مهني مصغر، إذ يجمع الإعلاميين وصنّاع المحتوى ومسؤولو الاتصال في مساحة حوار مفتوح تتسم بالمرونة والانفتاح المنضبط. أتاح هذا النموذج تبادلًا مباشرًا للرؤى ومناقشة التحديات بعيدًا عن قيود الرسمية، وأسهمت طبيعة اللقاء غير الرسمية في تقليص الحواجز البروتوكولية وإيجاد حالة من القرب المهني يصعب تحقيقها في المؤتمرات والفعاليات الكبرى، كما أظهر هذا الحدث القدرة على بناء روابط تقوم على المعرفة والخبرة المشتركة، بما يعزز فاعلية التواصل ويعمّق أثره المؤسسي.

لقاء وِرث، انعكاس البُعد الثقافي 

بلكونة

يُعد «لقاء وِرث» الذي ينظّمه المعهد الملكي للفنون التقليدية، نموذجًا يعكس بُعدًا ثقافيًا عميقًا، حيث يجمع المختصين والمهتمين وينسج حواره في سياق الهُوية الوطنية وصون الفنون التقليدية بوصفها رافدًا حضاريًا واقتصاديًا في آنٍ واحد، كما يخلق «لقاء وِرث» مساحة تتقاطع فيها الثقافة مع الاتصال بما يعزز الوعي بقيمة الفنون التقليدية في المملكة، ويعيد تموضعها ضمن أولويات الخطاب المؤسسي المعاصر. 

التعريف والمفهوم على الصعيد العالمي

على المستوى العالمي، يُصنَّف هذا النوع من اللقاءات ضمن مفاهيم اتصالية، مثل: Salon Gatherings وIndustry Roundtables وCurated Networking Events وThought Leadership Dinners. وهي لقاءات منتقاة الحضور، تُصمم باحترافية لضمان جودة الحوار، فتغدو من «حدث جماهيري» يستهدف الانتشار، إلى «منصة تأثير نوعي» تستهدف العمق والاستدامة.

أثر اللقاءات

تكمن قوة هذا النموذج في قدرته على تعزيز ما يُعرف برأس المال الاجتماعي، حيث تُبنى العلاقات على الثقة والمعرفة المشتركة، ويختصر اللقاء المباشر أشهرًا من التواصل الرقمي، كما يتيح تبادل الخبرات بواقعية وصدق أكبر، ويسهم في صناعة ما يُعرف بمجتمعات الممارسة، حيث يتشارك المختصون تحدياتهم العملية ويبحثون حلولًا مشتركة، وفي الوقت ذاته، تتموضع الجهة المنظمة كمركز تجمع معرفي دون حاجة إلى ترويج مباشر، وهو ما يعزز سمعتها بهدوء واحتراف.

تحدي المواعيد، والعائق غير المرئي

على الرغم من القيمة العالية لهذه اللقاءات، إلا أن هناك تحديًا حقيقيًا يظهر في التوقيت، إذ تمتلك القيادات الاتصالية والتنفيذية جداول مزدحمة، مما يجعل اختيار الموعد عنصرًا حاسمًا في نجاح الفعالية، هنا تبرز أهمية وضوح الهدف منذ الدعوة، وضبط المدة الزمنية، وإدارة الجلسة باحتراف، وانتقاء الحضور بعناية.

ختامًا، نحو معيار اتصالي جديد

في بيئة اتصال تقوم اليوم على الحوار أكثر من الخطاب، والتفاعل أكثر من العرض، والشراكة أكثر من الاستعراض، تبدو هذه اللقاءات امتدادًا طبيعيًا لتحول أوسع في الفكر الاتصالي، إنها انتقال من إدارة حدث إلى إدارة مجتمع مهني، ومن تنظيم مناسبة إلى بناء شبكة تأثير مستدامة.

اللقاءات المهنية المتخصصة، سواءً في رمضان أو غيره، أصبحت اليوم أداة استراتيجية من أدوات الاتصال المؤسسي المتقدم، إذ تمثل مساحة للتموضع الهادئ، وبناء علاقات نوعية عميقة، وتعزيز التأثير المؤسسي، ومن يدير اليوم هذا النموذج من اللقاءات برؤية واضحة وأهداف محددة، يضع حجر أساس لمجتمع مهني قادر على صناعة فارق حقيقي في القطاع.

التواصل المؤسسي - Corporate Communication

التواصل المؤسسي - Corporate Communication

إدارة صورة المؤسسة ورسائلها داخليًا وخارجيًا لبناء الثقة وتعزيز السمعة.

اقرأ المقال التالي