بلكونة - الشعار
المحتوى هو الملك

المحتوى هو الملك

نُشرت هذه المقالة على موقع «مايكروسوفت» عام 1996، وفيها يتأمل «بيل غيتس» مستقبل الإنترنت ومصدر المال فيه، ويتحدث عن المحتوى بوصفه السلعة التي ستحكم الشبكة، وعن مصير الشركات التي تتجاهل هذا التحول. 

المحتوى هو الملك

عن بيل قيتس

مؤسس «مايكروسوفت» وأغنى رجل في العالم حتى عام 2017. أسس «غيتس» شركة «مايكروسوفت» عام 1975 وقادها حتى صارت أكبر شركة برمجيات في العالم، وثبّت نظام «ويندوز» مسبقًا في أجهزة الحاسوب حتى صار المعيار الذي يقيس عليه السوق كله. ما يميز كتابات «غيتس» قدرتها على قراءة الموجة قبل وصولها، وأسلوبها المباشر.

عن المقالة

نُشرت هذه المقالة على موقع «مايكروسوفت» عام 1996، وفيها يتأمل «بيل غيتس» مستقبل الإنترنت ومصدر المال فيه. يتحدث عن المحتوى بوصفه السلعة التي ستحكم الشبكة، وعن مصير الشركات التي تتجاهل هذا التحول. 

المحتوى هو الملك

المحتوى هو المجال الذي أتوقع أن يُجنى فيه معظم المال  على الإنترنت، تمامًا كما حدث في التلفزيون؛ فثورة التلفزيون التي بدأت قبل نصف قرن أنتجت صناعات عديدة من بينها صناعة الأجهزة نفسها، غير أن الرابحين على المدى البعيد كانوا الذين استخدموا هذه الوسيلة لتقديم المعلومات والترفيه.

وحين نتحدث عن شبكة تفاعلية مثل الإنترنت يصبح معنى «المحتوى» واسعًا جدًا، فبرامج الحاسوب مثلًا نوع من المحتوى بالغ الأهمية وسيبقى الأهم لدى «مايكروسوفت»، أما الفرص الكبرى أمام معظم الشركات فتكمن في تقديم المعلومات أو الترفيه، وكل شركة قادرة على المشاركة مهما صغر حجمها.

الإنترنت يفتح الباب للجميع

من الأمور المشوقة في الإنترنت أن أي شخص يملك حاسوبًا واتصالًا بالشبكة يستطيع نشر أي محتوى يصنعه، فالإنترنت أشبه بآلة تصوير المستندات، إذ يتيح نسخ المواد بتكلفة قليلة مهما كان حجم الجمهور، كما يتيح توزيع المعلومات حول العالم دون تكلفة إضافية تُذكر على الناشر، ولهذا تضع شركات كثيرة خططًا لصناعة محتوى للإنترنت، ومن ذلك اتفاق شبكة «إن بي سي» (NBC) التلفزيونية مع «مايكروسوفت» أخيرًا على دخول مجال الأخبار التفاعلية معًا، إذ ستمتلك الشركتان قناة إخبارية باسم «إم إس إن بي سي» (MSNBC) وخدمة إخبارية تفاعلية على الإنترنت مع احتفاظ «إن بي سي» بالإشراف التحريري.

وأتوقع منافسة قوية تحمل معها إخفاقات كثيرة ونجاحات أيضًا في كل أنواع المحتوى الجماهيري، من البرامج والأخبار إلى الألعاب والترفيه والرياضة والأدلة والإعلانات والمجتمعات الإلكترونية.

هل تنجو المجلات المطبوعة؟

للمجلات المطبوعة قراء يجمعهم اهتمام واحد، ومن السهل تخيل خدمة هذه المجموعات عبر نسخ إلكترونية، غير أن نجاح المجلة على الإنترنت يتطلب أكثر من نقل موادها من الورق إلى الشاشة، فمحتوى الورق يفتقر إلى العمق والتفاعل الكافيين للتغلب على عيوب القراءة من الشاشة، وإذا أردنا من الناس أن يتحملوا تشغيل حاسوب للقراءة فعلينا مكافأتهم بمعلومات عميقة ومحدّثة باستمرار يتنقلون فيها كما يشاؤون، مع صوت وربما فيديو وفرصة للمشاركة الشخصية تتجاوز ما تتيحه صفحات «رسائل القراء» في المجلات الورقية.

والسؤال الذي يشغل كثيرين: هل تنجح الشركة التي تخدم جمهورًا في الورق في خدمته على الإنترنت أيضًا؟ حتى مستقبل بعض المجلات المطبوعة أصبح موضع شك بسبب الإنترنت الذي يُحدث اليوم ثورة في تبادل المعلومات العلمية المتخصصة، فالمجلات العلمية المطبوعة توزَّع على نطاق ضيق وبسعر مرتفع وتشكل مكتبات الجامعات جزءًا كبيرًا من سوقها، وبالرغم من أنها طريقة بطيئة ومكلفة لإيصال المعلومات إلى جمهور متخصص لكنها كانت الخيار الوحيد، أما اليوم فقد بدأ بعض الباحثين ينشرون نتائجهم عبر الإنترنت، وهو ما يهدد مستقبل بعض المجلات العلمية العريقة.

ومع الوقت سيصبح حجم المعلومات على الإنترنت هائلًا وهذا ما سيجعله جذابًا، ورغم أن حمى «البحث عن الذهب» محصورة اليوم في الولايات المتحدة، أتوقع أن تعم العالم مع انخفاض تكاليف الاتصالات وتوفر قدر كافٍ من المحتوى المحلي في كل بلد.

كيف يكسب صانعو المحتوى المال؟

لكي يزدهر الإنترنت يجب أن يحصل صانعو المحتوى على مقابل لعملهم، والمستقبل البعيد مبشر، لكنني أتوقع خيبات أمل كثيرة في المدى القريب بينما تكافح شركات المحتوى لكسب المال من الإعلانات أو الاشتراكات، فالنجاح ما زال بعيدًا وقد يتأخر بعض الوقت، وحتى الآن يظل أغلب ما يُنفق من مال وجهد في النشر التفاعلي أقرب إلى عمل بدافع الشغف أو محاولة للترويج لمنتجات تُباع خارج العالم الإلكتروني، ويقوم كثير من هذه الجهود على اعتقاد بأن أحدًا ما سيهتدي مع الوقت إلى طريقة لكسب الإيرادات.

وعلى المدى البعيد يبدو قطاع الإعلانات واعدًا، فمن مزايا الإعلان التفاعلي أن الرسالة الأولى تحتاج فقط إلى جذب الانتباه، إذ يستطيع المستخدم النقر على الإعلان لمعرفة المزيد ويستطيع المعلن قياس عدد من فعلوا ذلك، لكن إيرادات الاشتراكات والإعلانات على الإنترنت اليوم تقارب الصفر، ربما 20 أو 30 مليون دولار في المجموع، والمعلنون مترددون دائمًا تجاه أي وسيلة جديدة والإنترنت جديد ومختلف بالتأكيد، ولترددهم ما يبرره، فكثير من مستخدمي الإنترنت منزعجون من الإعلانات لأن معلنين كثيرين يستخدمون صورًا كبيرة يستغرق تحميلها وقتًا طويلًا عبر اتصال الهاتف، وإعلان المجلة يشغل مساحة أيضًا لكن القارئ يقلب الصفحة المطبوعة بسرعة، ومع تسارع الاتصال بالإنترنت سيقل إزعاج انتظار الإعلان ثم يختفي، غير أن ذلك ما زال على بعد سنوات.

الاشتراكات والمدفوعات الصغيرة

تجرب بعض شركات المحتوى الاشتراكات وغالبًا مع إغراء بمحتوى مجاني، لكن الأمر صعب، فبمجرد أن يفرض الموقع اشتراكًا ينخفض عدد زواره انخفاضًا حادًا وتقل قيمته أمام المعلنين، ومن الأسباب الرئيسية لتعثر الدفع مقابل المحتوى حتى الآن صعوبة تحصيل مبالغ صغيرة، فتكلفة المعاملات الإلكترونية وعناؤها يجعلان فرض رسوم زهيدة أمرًا صعب التطبيق.

لكن خلال سنة ستتوفر وسائل تتيح لصانعي المحتوى تحصيل سنت واحد أو بضعة سنتات مقابل المعلومة، فإذا قررت زيارة صفحة تكلف 5 سنتات فستنقر فقط على ما تريد ويُحسب المبلغ عليك ضمن فاتورة مجمعة، وهذه التقنية ستحرر الناشرين ليطلبوا مبالغ صغيرة على أمل جذب جمهور واسع، ومن ينجحون في ذلك سيدفعون الإنترنت إلى الأمام ليصبح سوقًا للأفكار والتجارب والمنتجات؛ سوقًا للمحتوى.


رأي بلكونة، هل سقط الملك عن عرشه؟

مضت ثلاثة عقود على هذه السطور، وتغير العالم أكثر مما تخيله «قيتس» نفسه، فقد وُلد يوتيوب ومات معه احتكار الشاشة الكبيرة، ووُلدت منصات لم تكن لتخطر بباله، وتبدل الجمهور من قارئ صبور إلى متصفح لا يهدأ. فهل احتفظ الملك بعرشه؟ وماذا فعل الزمن بالممالك التي تجاهلت نصيحته؟ 

الملك على عرشه

في عصر الذكاء الاصطناعي تتقلص الوظائف ويتسع الفراغ، والفراغ بطبيعته يبحث عمن يملؤه، فوجد الإنسان في المحتوى ضالته، إذ يقضي الفرد اليوم ساعات يومه متنقلًا بين مقطع ومنشور وبودكاست، ويستهلك في أسبوع ما كان يستهلكه جيل كامل في سنة، وكلما تراجع العمل عن صدارة اليوم تقدم المحتوى ليحتلها. العرش الذي رآه قيتس من بعيد صار اليوم أوضح من أن ننكره.

ممالك سقطت

صحت النبوءة بتفاصيلها، فالمجلات العلمية التي شكك قيتس في مستقبلها انحسرت أمام النشر المفتوح، والصحف التي اكتفت بنقل الورق إلى الشاشة خسرت الورق والشاشة معًا، وسقطت إمبراطوريات مثل «بلوكبستر» و«كوداك» لأنها رأت الموجة وقررت عدم ركوبها، والسؤال يعيد نفسه اليوم بوجه جديد: من عجز عن مواكبة الإنترنت مات بصمت، فماذا عمن يعجز اليوم عن مواكبة الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى؟ التاريخ يوحي بأن المقابر تتسع لموجة ثانية، وأن أسماء كبرى نعرفها اليوم ستصبح عبرة تدرس غدًا.

بيع القصة قبل المنتج

توقع قيتس أن يربح صانع المحتوى من الإعلانات والمدفوعات الصغيرة، وتحقق ذلك في الاشتراكات والإعلانات المدفوعة، غير أن الواقع تجاوز توقعه إلى ما هو أعمق، فالناس اليوم تشتري السياق قبل السلعة، والقصة قبل المنتج، فالقهوة تُباع بحكاية مزارعها، والساعة بسيرة صانعها، وصانع المحتوى الذي بنى جمهورًا يبيع ما يشاء لأن الثقة سبقت البضاعة. المنتج صار وسيلة، والحكاية هي البضاعة الحقيقية.

ختامًا

رأى قيتس أن الإنترنت سوق للأفكار والتجارب، وأن الرابح فيه من يقدم معلومة وترفيه يستحقان المقابل، الإ أن المحتوى تجاوز كونه صناعة رابحة ليصبح العملة التي تُقاس بها كل صناعة، فالشركة اليوم إما أن تحكي قصتها أو يحكيها منافسها عنها. صدقت النبوءة إذن، والفارق الوحيد أن الملك اتسعت مملكته، وكبر عرشه.

هيمنة المحتوى الفارغ - Vacant-Time Content Dominance

هيمنة المحتوى الفارغ - Vacant-Time Content Dominance

ظاهرة تحول المحتوى الرقمي إلى الشاغل الأكبر لوقت الإنسان اليومي وتعبئة المساحات الزمانية الناتجة عن أتمتة الأعمال، مما يجعل المحتوى العملة الأساسية لتوجيه الانتباه.

الإعلان التفاعلي اللحظي - Interactive Moment Advertising

الإعلان التفاعلي اللحظي - Interactive Moment Advertising

النمط الإعلاني الذي يتيح للمستخدم الانتقال الفوري من مجرد مشاهدة الرسالة التسويقية إلى التفاعل معها أو الشراء بنقرة واحدة، مع إمكانية قياس الأثر بدقة عالية.

الفجوة السياقية - Contextual Gap

الفجوة السياقية - Contextual Gap

المسافة المعرفية والمهارية بين النظريات الأكاديمية العامة الوافدة، وبين الواقع العملي الفعلي ومتطلبات سوق العمل المحلي.

اقرأ المقال التالي