في ليلة جمعت الجد والضحك تحت سقف المدرسة الثقافية، قررنا أن نضع النكتة على طاولة التشريح وفهم كيف تنبض، وكيف تسقط، وكيف تُكتب من الصفر. مع مقدمنا الكاتب والممثل ولاعب الكاراتيه «محمد الزريق».
قبل أي شيء: ما هي النكتة؟
بدأ اللقاء من حيث يجب أن تبدأ كل الأشياء الجدية بتعريف. طلب من الحضور أن يعرّفوا النكتة بأنفسهم قبل أن يسمعوا التعريف الرسمي، وكانت الإجابات كاشفة بقدر ما كانت متباينة، مثل: ما يعكس التوقعات ويبعث على الضحك ويكسر الجمود، أو ما هو مفاجئ ومحبوك بأسلوب مضحك، والتعريف الذي لاقى إقبالًا وهو: أي شيء مضحك فقط.
ثم جاء التعريف المحوري الذي بنى عليه اللقاء كل شيء:
سيت أب + بنش لاين = مفاجأة تكسر التوقع.
والمعادلة تمتد أبعد من ذلك؛ فكلما اتسعت المسافة بين ما يتوقعه المستمع وما يصله فعلًا، كلما كانت الضحكة أعمق وأثرها أطول. النكتة في جوهرها معادلة رياضية دقيقة تخطئها بكلمة واحدة فتسقط على الأرض.
لماذا نضحك؟ أربع نظريات
قدّم الزريق الأُطر النظرية التي يقف عليها علم الكوميديا، وهي أربعة:
نظرية التنافر: نضحك حين نصطدم بشيء غير متوقع ينحلّ بسرعة. التنافر المفاجئ الذي لا يدوم طويلاً هو أساس أغلب النكت التي نتذكرها.
نظرية التفوق: نضحك حين نشعر بتفوّق بسيط وآمن؛ السقطة المحرجة، الموقف الذي نجونا منه، الشخص الذي وقع فيما كدنا نقع فيه.
نظرية التنفيس: الضحك طريقة الجسد للتخلص من التوتر المكبوت. هذا يفسّر لماذا نضحك أحياناً في اللحظات الأشد جدية.
نظرية الانتهاك الحميد: هي نظرية البروفيسور بيتر مكجرو، وربما الأكثر دقة من بينها: الشيء يُضحك حين يكون «خطًأ أو تهديدًا» و«آمنًا ومقبولًا» في آنٍ واحد. الأمان الزائد يُفضي إلى الملل، والتهديد الزائد يفضي إلى الأذى. النكتة الجيدة تمشي على الحافة بين الاثنين.
النكتة في الإعلان: رحلة سبعة عقود
بدأ الإعلان بالبيع المباشر «منتج، فائدة، خذ». ثم جاءت الثورة الإبداعية في أواخر الخمسينات والستينات، حين اكتشف صانعو الإعلانات أن المُتعة طريق أقصر إلى القلب. مع مطلع الألفية، تراجعت النكتة لصالح البطولة العاطفية والقصص الملهمة.
وفي عام 2024، أطلق مهرجان كان ليونز فئة الكوميديا رسميًا للمرة الأولى في تاريخه الممتد لسبعة عقود. بعدما كانت 52% من الأعمال الفائزة مضحكة.
ستة أنواع من النكتة الإعلانية
العبث والسريالية: منطق موازٍ يتجاوز قواعد الواقع، ويظل متسقًا مع نفسه.
الموقف المبني على حقيقة المنتج: النكتة تنبثق من طبيعة المنتج وتعيش داخله.
النكتة = فائدة المنتج نفسها: حين تكون الضحكة هي الرسالة والرسالة هي الضحكة.
السخرية والمقارنة: وضع المنتج في مواجهة ضمنية أو صريحة مع البديل.
الموضعية المرتبطة بالحدث: نكتة تواكب الأحداث والترند.
الكوميديا السوداء: تقديم النكتة بشكل حاد.
فخّان يجب أن تتجنبهما
فخ المصاص: حين تُضحك لمجرد الإضحاك، دون أن ترتبط النكتة بالمنتج أو تخدمه. النكتة تنجح، والمنتج يغيب.
الاهتمام المستعار: حين تستعير موضوعًا شائعًا لتصنع نكتة منفصلة عمّا تبيعه. الجمهور يضحك ثم ينسى من الذي أضحكه.
والقاعدة الذهبية التي تحمي من الاثنين: لو «شِلت» المنتج تنهار النكتة، فأنت في المكان الصحيح.
الأرقام تؤكد ذلك: الإعلان المضحك المرتبط بالمنتج يُحقق 90% أعلى في معدل التذكر، و72% من الناس يفضلون البراند المضحك على منافسه.
النكتة في السياق المحلي
لم يتجاهل اللقاء السؤال الذي يطرحه كل كاتب إعلانات في السوق: ما حدود النكتة عندنا، وهل جمهورنا يتقبلها؟
الإجابة جاءت مشروطة: يعتمد. على أربعة عوامل:
اللهجة: الكوميديا تسكن في التفاصيل اللغوية، وكلمة واحدة بلهجة خاطئة تقتل النكتة قبل أن تولد.
السياق والمناسبة: ما يُضحك في رمضان قد لا يُضحك في محرم.
الموروث الكوميدي: لكل مجتمع مراجعه الكوميدية المشتركة، ومن يجهلها يكتب نكتة لا يفهمها أحد.
شخصية البراند: النكتة التي تناسب علامة شبابية تختلف عمّا يناسب علامة بنكية.
ثمانية أسئلة تحمي نكتتك من الكرنج
ختم الزريق اللقاء بقائمة اختبارات يمكن تطبيقها على أي نكتة قبل إخراجها للعالم:
فيها مفاجأة؟
تتضمن اختراقًا «حميدًا» لجمهورك؟
تضحك على الأقوى دون الأضعف؟
تخص هذا البراند بالذات بحيث لو شِلت المنتج تنهار؟
تنبع من حقيقة المنتج دون اهتمام مستعار؟
مكتوبة باللهجة الصحيحة وبدون تكلّف؟
في أقصر صيغة ممكنة، والكلمة المضحكة في النهاية؟
ضحّكت ثلاثة أشخاص من خارج فريقك؟
في الختام
خرجنا من اللقاء بفهم أن الكوميديا مهارة تتعلمها، تتدرب عليها، وتختبرها جملة جملة، والنكتة الجيدة تجمع بين شيئين في آنٍ واحد: تجعلك تضحك، وتجعلك تتذكر، فالشكر للمدرسة الثقافية على الاستضافة والشكر لمحمد الزريق على اللقاء الرائع.
