ينطبق على الجمهور في الأزمات، وصف الأمير بدر بن عبدالمحسن -رحمه الله- لبطل قصيدته الذي يرفضُ المسافة والسور والباب والحارس؛ إذ يغلبُ على الجمهور حالة التعطش للمعلومة، ولذلك ما إن تحل أزمة حتى تتكوّن كرة ثلج صغيرة وتتضخم في فترة قصيرة، لتبدأ رحلة الجمهور في البحث عن معلومات تروي حالة الظمأ التي يمر بها من مختلف المصادر، وهو ما يُوجد أرضًا خصبة لولادة الشائعات وتكاثرها.
وهنا يبرز البيان الصحفي بوصفه أحد الأدوات في إدارة الأزمات الإعلامية، الأمر الذي يقود إلى السؤال حول كيفية ضمان فعاليته الاتصالية في تعزيز الشفافية مع الجمهور وإعادة التأطير وتشكيل الرواية الإعلامية؟ وكيف يُمكن تقليص فجوة المعرفة التي خلفتها التحولات في سوق العمل والحد من تداعياتها على جودة البيانات الصحفية؟ وما هي العوامل المُساعدة لزيادة فعالية البيان الصحفي؟
تكلفة تأخر الاستجابة الاتصالية
يورد المدرب والمستشار الإعلامي الدكتور أيمن السعيدي في دليل موجز أعده حول إدارة الأزمة الإعلامية تحت عنوان «الـ 24 ساعة الحاسمة»، أنّه في العام 2010 حدث تسرّب نفطي -يُعد أحد أكبر الحوادث البيئية- من منصة الحفر «Deepwater Horizon» في خليج المكسيك، ومع غياب الشفافية والمعلومات حول الحادثة، امتدت أبعاد هذه الأزمة إلى أن تُصبح أزمة إعلامية، وقد كلّف ذلك الشركة خسائر على مستوى السمعة والصورة الذهنية، إلى جانب نزيف في أسهم الشركة. «الدليل»
يذكر السعيدي في الدليل، أنّ معظم الشركات تستغرق 21 ساعة في المتوسط للرد، وهي فترة طويلة بما فيه الكفاية لانتشار الأخبار والمعلومات والشائعات حول الأزمة؛ إذ أنّ أكثر من ربع الأزمات تلتقطها وسائل الإعلام في غضون ساعة واحدة فقط، بينما ثلثي الأزمات يصل خلال الـ 24 ساعة الأولى.
ويُتابع، بأنّ جمعية العلاقات العامة الأمريكية تُشير إلى أنّ المنظمات التي تتفاعل مع الجمهور خلال الساعة الأولى من الأزمة تتعزز لديها قدرة الحفاظ على ثقة الجمهور بنسبة 85%. أمّا المنظمات التي لديها خطة إدارة للأزمة مُعدة مُسبقًا تزيد احتمالية تعافيها بنسبة 53% في غضون 6 أشهر.
يأتي ما سبق مُدللًا على أهمية الحاجة إلى تطوير خطة مسبقة لإدارة الأزمات وتحديثها، وذلك في ظل فضاء رقمي مفتوح وتطور في الخوارزميات التي أصبح لها تأثير شديد في تعزيز الظهور وصناعة اتجاهات الرأي العام، فالمعلومة أصبحت تنتشر في أقل من دقائق عبر شبكة واسعة من المؤثرين والمستخدمين والمنصات الإخبارية والإعلامية من خلال وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة، وهو ما يتطلب أن تكون فرق الاتصال المؤسسي على أتم الاستعداد دائمًا للاستجابة لأي أزمة؛ لأن الرواية الأولى للأحداث يُمكن أن تُعيد تأطير الأزمة بفاعلية.
أينما وجدت أزمة يولد بيانًا صحفيًا
من رحم الأزمات تولد البيانات الصحفية، مقروءة كانت أم مرئية، وبلا شك فالكثير منها شكلت انطباعات مختلفة لدى الجمهور ما بيْن السلبية والإيجابية، وأحد العوامل المُساهمة في تشكيل هذه الانطباعات هو صياغة البيان.
هناك العديد من الممارسات التحريرية للبيان الصحفي، إلا أنّ أشهرها ما يُعرف بقاعدة الهرم المقلوب؛ حيث تبدأ المعلومة الأهم في بداية البيان ثم تتدرج التفاصيل نحو الأهم فالأقل أهمية.
يتكون بناء البيان الصحفي -وفقًا لقاعدة الهرم المقلوب- من ثلاث فقرات، الأولى هي الأهم، وتُمثل القاعدة ويجب أن تكون موجزة، تشمل الخلاصة وأهم المعلومات والرسائل التي تريد المنظمة الإخبار بها حول الحدث. بينما الفقرة الثانية، وهي الجسم للبيان الصحفي، وتحتوي على تفاصيل الإيجاز الذي ذُكر في الفقرة الأولى، مع تدعيم ذلك بنقاط إثبات. أما الفقرة الثالثة والأخيرة، فتتضمن نظرة عامة موجزة حول الموضوع والمنظمة، ودعوة الفئة المستهدفة إلى اتخاذ قرار أو موقف (CTA).
لماذا تنخفض فعالية البيانات الصحفية وتأتي بنتائج عكسية أحيانًا؟
ألقت التحولات في سوق العمل الإعلامي ظلالها على جودة البيانات الصحفية وفعاليتها؛ بل وأصبح بعضها وقود لإشعال نيران الأزمات أكثر، في انحراف عن غايتها الأساسية بوصفها أداة لإخماد الأزمات وامتصاص غضب الجمهور.
جزء من هذا يعود إلى فجوة في المهارات والممارسات المهنية؛ إذ لا يُمكن تناول هذه الظاهرة دون ربطها بالتحولات التي شهدها سوق العمل. فمع تزايد الاعتماد على الوكالات الإبداعية في المنظمات، أصبح كثير ممن يكتب البيانات الصحفية لم يدرس الإعلام -كما هو حال الفقير إلى الله-؛ لتظهر وظيفة «كاتب محتوى»، وتتولد فجوة في المهارات والمعرفة من حيث قوالب الكتابة الصحفية؛ إذ كثير من كتاب المحتوى اليوم ينتمون إلى خلفيات أكاديمية مختلفة، وحتى وإن كانت خلفيتهم الأكاديمية إعلامية، فقد أصبحوا يتأثرون ببيئة الوكالات الإبداعية، التي تجنح في ثقافتها المهنية أكثر نحو التسويق، وهو ما يُفقد الحس الإعلامي يومًا بعد آخر.
كيف يُمكن تقليص فجوة المهارات المهنية؟
يُمكن تقليص الفجوة عن طريق تطوير مستمر لقوالب البيانات الصحفية، والاستعداد لسيناريوهات مختلفة من الأزمات والأحداث، بحيث يكون هناك تصنيف للقوالب بحسب الأحداث سواء كان ذلك أزمة أو أي حدث يستدعي إصدار بيان صحفي. بالإضافة إلى إيجاد دليل تحريري واضح ويَسهُل الوصول إليه، يحتوي على إرشادات لكتابة البيانات الصحفية.
كما يقع على عاتق الممارسين للاتصال المؤسسي دورًا في تقليص هذه الفجوة، من خلال إقامة المبادرات وورش العمل المختلفة؛ لتكوين منصات لتبادل الخبرات والمعارف، مع الحاجة لتوسعها نحو تطبيقات عملية ودراسة حالات سواء كان ذلك على المستوى الداخلي للمنظمات أو حتى خارجها من خلال المبادرات المجتمعية والمهنية العامة.
وفي هذا الاتجاه، ظهرت بعض المبادرات، ومنها «مجتمع مؤسسي» الذي أحد أهدافه هو ردم هذه الفجوة بإقامة اللقاءات وورش العمل المختلفة المتعلقة بمجالات الاتصال المؤسسي بصفة عامة. وهناك أيضًا مبادرات أخرى، مثل «مجتمع الكتابة» المختص بتأهيل الكفاءات في مختلف مجالات الكتابة، و«مجتمع POV» الذي يجمع كتاب المحتوى العاملين في وكالات التواصل والإعلام والتسويق.
غير أنّ هذه المبادرات -على أهميتها وإسهاماتها- تحتاج إلى إيجاد نموذج يجمع هذه المبادرات بالقطاعيْن الحكومي والخاص: لضمان الاستدامة، وقد يكون من المناسب اليوم أن تأخذ أكاديمية وكالة الأنباء السعودية (واس) هذا الدور في ظل ما تشهده من نشاط واضح خلال الفترة الأخيرة.
ماذا بعد البيان الصحفي الأول؟
ومما لا يخفى على أي ممارس للاتصال المؤسسي، فإنه من المهم الإشارة إلى أنّ المنظمات يجب عليها عند نشوء أزمة تُحتم القيام بنشر بيان صحفي، أن يأخذ البيان الأول شكلًا يمتص الغضب ويُقدم المعلومات الأولية المتوافرة؛ للمساهمة في كبح جماح الشائعات والحد منها، وإعطاء الصورة الأولية للتمهيد نحو الخطوات القادمة. ولأن الجمهور في حالة تعطش دائم، فيكون هناك بيانًا إلحاقيًا، يوفر مزيد من المعلومات، والخطوات التي اتخذتها المنظمة بعد أن كسبت وقتًا للقيام بذلك.
بيد أنّ ما تغفل عنه كثير من الجهات، هو الحاجة إلى منتجات جانبية داعمة غير مباشرة بجانب البيان الصحفي؛ لتوضيح أعمال الجهة وجهودها، وهو ما سيُساعد على إعادة تأطير الأزمة واحتوائها.
ختامًا
لا يكاد يخلو يومًا من ظهور أزمة أو حدث، فالمعلومة أصبحت تنتشر في أقل من دقائق عبر شبكة واسعة من المؤثرين والمستخدمين لمنصات التواصل الاجتماعي، ما يتطلب أن تكون فرق الاتصال المؤسسي على أتم الاستعداد دائمًا للاستجابة؛ لأن الرواية الأولى للأحداث يُمكن أن تُعيدَ التأطير بفعالية، وهنا تتضاعف أهمية صياغة البيانات الصحفية باحترافية.
