تاريخ التحول من العلاقات العامة إلى التواصل المؤسسي
شهدت السعودية في العقدين الأخيرين، تحولًا جوهريًا في الطريقة التي تُدار بها الهُوية والرسائل الاتصالية داخل الجهات الحكومية، إذ انتقلت من نموذج العلاقات العامة التقليدي إلى نموذج التواصل المؤسسي.

شهدت المملكة العربية السعودية في العقدين الأخيرين، تحولًا جوهريًا في الطريقة التي تُدار بها الهُوية والرسائل الاتصالية داخل الجهات الحكومية، إذ انتقلت من نموذج العلاقات العامة التقليدي، الذي كان يعتمد بصورة رئيسة على وسائل الإعلام، مثل: التلفزيون والصحف والإذاعة، إلى نموذج أكثر تطورًا ونضجًا هو التواصل المؤسسي.
جاء هذا التحول متزامنًا مع المتغيرات التنموية والاقتصادية والاجتماعية التي تشهدها المملكة، وخصوصًا بعد إطلاق رؤية السعودية 2030 التي عزّزت الحاجة إلى بناء حضور اتصالي احترافي يعكس مكانة الدولة محليًا وعالميًا، وبذلك اتّسع نطاق العمل الاتصالي ليصبح أكثر شمولية واستراتيجية؛ فبدلًا من اقتصاره على العلاقات العامة، أصبح يشمل منظومة كاملة من الوظائف، مثل: التواصل الداخلي، إدارة السمعة، إدارة الأزمات، التسويق، الفعاليات، والمسؤولية الاجتماعية، إلى جانب بناء هوية بصرية ورسائل متسقة تعكس قيم الجهة وأهدافها.
هذا التطور التاريخي لم يكن تغييرًا في المسمّيات وحسب، بل تحولًا في المفهوم الاتصالي ذاته؛ من نموذج يركّز على النشر الإعلامي، إلى نموذج يُدار بمنهجية مؤسسية تعتمد على الاستشراف، والتحليل، وإدارة الصورة الذهنية، والتفاعل المستمر مع الجمهور في بيئة رقمية متنامية.
البدايات التقليدية للعلاقات العامة
تاريخيًا؛ نشأت العلاقات العامة في السعودية منذ نشأة المؤسسات الحكومية الحديثة، وكانت آنذاك تتمثّل في إدارات أو أقسام بمسمى «العلاقات العامة» في جُل المنظمات على اختلاف أنشطتها، وركّزت في أعمالها الإعلامية على ما يتصل بالجمهور الخارجي، مثل: التغطيات الصحفية، وتنظيم المراسم والبروتوكولات، وإصدار البيانات. أما طبيعة رسائلها الاتصالية فقد كانت متواضعة وتسير وفقًا لنهج موحّد «أحادي الاتجاه»، الذي يهدف إلى إمداد الجمهور بالرسائل، دون بناء شراكات أو نموذج تواصلي، أو دراسات الجمهور، وإلى نقل الصورة دون خلقها وتشكيلها، وهو نتيجة حتمية لقلّة القنوات الإعلامية آنذاك، ومحدودية التفاعل بين المؤسسات والجمهور.
الثورة الرقمية والإعلام الجديد
منذ بدايات الثورة الرقمية في السعودية بدأ مشهد الاتصال المؤسسي يتغير تدريجيًا، ومع تسارع الثورة وظهور قنوات اتصال جديدة أكثر تنوعًا وأقوى تأثيرًا، لم تعد الوسائل الإعلامية التقليدية كافية للوصول إلى الجمهور أو التأثير فيه، ما دعا المنظمات الحكومية إلى استشعار أهمية حضورها الرقمي وإعادة النظر في أدواتها وطرائقها، وتبنّي الظهور في قنوات الاتصال الرقمية، إذ بدأت بإنشاء حسابات رسمية للجهات خصوصًا على منصة تويتر (X) التي كانت أحدث وسائل التواصل الاجتماعي آنذاك وهي المرحلة المحددة تاريخيًا في الفترة ما بين 2009 -2015م.
اتسمت تلك المرحلة المبكرة بالحضور الرمزي دون استراتيجية اتصال واضحة، فكانت حسابات المنظمات ذات محتوى محدود، تقتصر غالبًا على نشر بيانات صحفية وإعلامية مختصرة، ولم تكن قنوات تواصلية بقدر ما هي منصة إخبارية، كما كان جليًا في حضورها غياب الاهتمام بإبراز الهُوية المؤسسية. وبالنظر إلى الظهور المبكر لحسابات الجهات الحكومية تعدّ جامعة الملك سعود أولى الحسابات الرقمية في الظهور، حيث افتتحت حسابها في مطلع العام 2009م، تليها جامعة الملك عبدالعزيز، وجامعة أم القرى في العام ذاته، وفي 2011م افتتحت جامعة الملك فهد للبترول والمعادن حسابها الرسمي، تلتها وزارة الخارجية، ووزارة الصحة، ثم وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية في 2012م، أما وزارة الداخلية فكان حضورها الرسمي على منصة إكس في العام 2014م، وهي اليوم تشكّل النسبة الأكبر في عدد المتابعين؛ إذ بلغ عدد متابعيها نحو 6.4 مليون متابع.
مرحلة التحول الوظيفي في قنوات الاتصال الرقمية
في مرحلة تالية للحضور الرمزي بدأت عدد من الجهات الحكومية، بتفعيل الحضور الجاد على حساباتها، واستهدفت الوصول إلى جمهورها عبر قنوات رقمية مختلفة، مثل: انستغرام، ويوتيوب، وسناب شات، اتسمت هذه المرحلة بزيادة وتيرة النشر وتخصيص خطط لإدارة المحتوى، وظهرت أولى خطوات التواصل التفاعلي مع الجمهور عبر ردود مباشرة على الاستفسارات والشكاوى، فتغير الدور الوظيفي لتشكّل الحسابات قنوات تواصل مباشر.
يُعزى هذا التحوّل نحو الإعلام الجديد إلى ظهور الجمهور الرقمي وعُلو صوته بوصفه قوة مؤثرة في تشكيل الرأي العام، حيث أصبح للمتلقي دورٌ فاعل في صناعة الرأي وانتشاره، وباتت لديه القدرة على مراقبة الأداء وتقييمه بشكل مباشر، ومما عزّز الحاجة إلى ظهور اتصال مؤسسي محترف تزايد المخاطر المعلوماتية، وسرعة تداول الشائعات وتناقل الأخبار، والأهم من ذلك تعاظم الحاجة إلى رسائل موحّدة ومتسقة خصوصًا مع توجهات السعودية نحو رفع مكاناتها عالميًا وريادتها في مختلف القطاعات.
بدأت حينذاك عدد من الوزارات والهيئات في تأسيس إدارات متخصصة للتواصل المؤسسي، وتطوير قدرات المتحدثين الرسميين، في خطوة أولى نحو نموذج اتصال أكثر شمولًا، وسَعْت إلى التكامل بين جميع أنشطتها الداخلية والخارجية، كما فرضت أن يكون الاتصال متسقًا وعالي الكفاءة، ويرتبط ارتباطًا مباشرًا بالهُوية المؤسسية، مثل: تأسيس مركز الاتصال والإعلام الجديد التابع لوزارة الخارجية الذي افتُتح في عام 2018م، ومركز الاتصال والإعلام في وزارة الحرس الوطني.
وتأسيسًا على ذلك؛ قامت المنظمات بإعادة هيكلة إداراتها بحيث يندرج تحت مسمى الاتصال المؤسسي كل من العلاقات العامة، الإعلام، إدارة الفعاليات، والتواصل الداخلي، وأصبح دور المتخصصين المشاركة في بناء الخطط الاتصالية الشاملة التي تتماشى مع الأهداف التنظيمية للمنظمة لتقديم صورة متماسكة تعكس الإنجازات والتطور.
رؤية 2030 وصناعة نموذج الاتصال المؤسسي
رَافق إطلاق رؤية السعودية 2030 في عام 2016م، تطورًا في مفهوم الاتصال، حيث أصبح جزءًا من التحوّل الوطني، ومحركًا للجودة المؤسسية، ما دعا الجهات الحكومية إلى ضرورة تبنّي نموذج عالي الكفاءة في التواصل المؤسسي، شمل ذلك عدة جوانب، منها:
- تعزيز الهُوية المؤسسية، إذ أقرّت الجهات الحكومية أدلة للهُوية المؤسسية، وبرامج حوكمة للاتصال.
- إدارة السمعة المؤسسية، بدأت الجهات بجعل إدارة السمعة وظيفة واضحة وليست ممارسة جانبية، حيث تتفاعل بانتظام مع الجمهور وتوضح اعتذاراتها عند وجود أخطاء أو أعطال أو انقطاعات للخدمات وهو ما يجعلها أمام الجمهور مسؤولة وتعمل بمهنية، لا سيما الجهات الخدمية، مثل: الشركة الوطنية للمياه، والسعودية للكهرباء.
- إدارة الأزمات الاتصالية، ركّزت المنظمات على اعتماد خطط لإدارة الأزمات وأخرى للاستجابة؛ لتحمي صورتها وسمعتها، وهو ما لم يكن متوافرًا في نموذج العلاقات العامة التقليدي.
- الاهتمام بدور المتحدث الرسمي، برز تغيّر واضح لدور المتحدث الرسمي الذي كان مقتصرًا على نقل المعلومة، إذ تحول إلى مسؤول يقدم خطابًا إعلاميًا يحوي سردية متكاملة، مبنية على رسائل اتصالية ومستندة إلى مبادئ الشفافية والمساءلة، حيث جعلت رؤية السعودية 2030 الشفافية والتواصل الواضح عنصرًا مهمًا في أداء القطاع الحكومي.
- التوجه نحو التواصل التفاعلي، من خلال تعزيز ثنائية الاتجاه في الاتصال، والتفاعل المنتظم مع أسئلة الجمهور، وتحليل البيانات، وقياس أثر الاتصال، وبناء حملات اتصالية مستمرة.
- تنوّع الحضور الرقمي، تعددت المنصات الرقمية التي استخدمتها الجهات الحكومية ما بعد إطلاق رؤية 2030، وتوجهت بعضها إلى المنصات الأكثر تفاعلية، مثل: السناب شات، إذ يمثّل «سناب الداخلية» نموذجًا للتواصل الأمني الاحترافي وبالأخص نموذج «في قبضة رجال الأمن»، الذي يعد نموذجًا اتصالي متكاملًا يقوم على الشفافية، والسرعة، وتعزيز الثقة والأمن في المجتمع، وضمن الحضور الرقمي المتنوع يبرز حساب وزارة الحرس الوطني ووزارة الدفاع في منصة تيك توك على الرغم من كونهما جهات سيادية ذات طابع عسكري، إلا أنها نجحت في إيصال رسالتها، بالتركيز على المحتوى البصري الذي يهدف إلى إبراز جاهزية قواتها وقدراتها التدريبية، وإظهار الجوانب الإنسانية في أعمالها، وتقديم محتوى ملهم يعرض الانضباط والالتزام لدى منسوبيها، بأسلوب سلس، وسريع، وقريب من لغة الشباب والناشئة التي تشكل النسبة الأكبر من مستخدمي المنصة، مع المحافظة على القيم العسكرية وصورة المنظومة.
التواصل الحكومي والنسق الاتصالي الموحّد
في إطار مستهدفات الرؤية وإدراك أهمية ضبط إيقاع الأداء الإعلامي للجهات الحكومية، أطلقت وزارة الإعلام «مركز التواصل الحكومي» في 2018م، ليكون داعمًا للمنظومة الإعلامية الحكومية، وجاءت هذه الخطوة بهدف تحسين الأداء الإعلامي وتطويره، وتنسيق التواصل بين الجهات، وتوحيد الرسائل الإعلامية بما ينسجم مع السردية الوطنية، وتمكين الإدارات الإعلامية من تحقيق أهدافها وفق أفضل الممارسات العالمية، بما يسهم في بناء منظومة اتصال حكومي أكثر فاعلية وتأثير.
ومن المراحل المفصليّة في تاريخ التواصل المؤسسي في السعودية هي جائحة كورونا، حيث حققت الممارسات الاتصالية والإعلامية لعدد من الجهات نجاحًا مميزًا، لكن الأبرز منها كان «وزارة الصحة»، إذ نجحت في إدارة الأزمة على الرغم من حجم التحديات الإنسانية والاجتماعية فيها، وقاد مركز التواصل الحكومي سلسلة حملات توعوية مع الجهات الحكومية من خلال الوسوم، مثل: وسم كلنا مسؤول، وخلّك في البيت، ونعود بحذر، أدت جميعها دورًا مؤثرًا في تكوين الوعي المعرفي عن الفيروس والجائحة عمومًا، وعملت الرسائل الاتصالية والأدوات الإعلامية على تثقيف أفراد المجتمع بحجم الجائحة وأثرها، مما ساعد على تكوين موقف وتبني سلوكيات صحيّة في تلك المرحلة.
أدار المركز عددًا من الخطط والملفات الإعلامية للسعودية، مثل حملة «العالم في قلب المملكة» التي كانت هوية لموسم حج عام 1440هـ/2019 م، حيث احتضن المركز الإعلامي للحملة في مكة المكرمة، وأدخلت نحو 89 جهة حكومية الشعار في هويتها الأصلية، شملت الحملة منشورات تحمل شعارها بلغ عددها نحو 15 مليون منشور عبر مليوني مغرد، كما قام المركز بتصوير وإنتاج نحو 2200 فيديو، بلغ عدد المشاهدات لها 26 مليون مشاهدة.
ما الذي أضافه وجود تواصل مؤسسي محترف في أداء المنظمات؟
حقّق التواصل المؤسسي المحترف ما بعد رؤية السعودية 2030 وتطوير منظومته في الجهات الحكومية السعودية نتائج ملموسة، تمثّلت في:
الاحترافية في إدارة الرسائل والصورة الذهنية، إذ أضحت الجهات الحكومية تقدّم خطابًا متسقًا واحترافيًا، يُسهم في تعزيز الثقة وكسب الولاء داخليًا وخارجيًا.
تحسين جودة المحتوى الحكومي، رافق الاتصال المؤسسي ظهور وظائف إبداعية، تشغلها إدارات متكاملة لصناعة المحتوى الاتصالي، من الإخراج مرورًا بالتصميم والكتابة الاحترافية، والمسؤولين عن إدارة المنصات الرقمية، وبرزت حملات إعلامية مميزة حققت أهدافها الاتصالية بكفاءة، لاسيما في المناسبات والأحداث الوطنية، والأيام العالمية.
كفاءة في إدارة الأزمات والاستجابة، أصبحت الجهات على دراية كافية بأهمية ظهورها اللحظي وقت الأزمات، وتنفيذ خطة استجابة فاعلة، ما أسهم في تطوير قدراتها على الرد السريع وتصحيح المعلومات وحماية سمعتها الرقمية.
هوية وطنية متماسكة، أصبحت إدارات التواصل المؤسسي جزءًا من سردية وطنية كبرى تعكس تطلعات رؤية 2030، وتبرز التحوّل التنموي في المملكة، وتبنّت الجهات إطلاق مبادرات اتصالية، توجهت فيها لاستخدام الرمزية الوطنية، والصوت المحلي، ومفردات اللهجة المحكية.
رفع كفاءة العمل الداخلي، أسهم التواصل المؤسسي في خلق بيئة عمل شفافة ومنسجمة، من خلال التواصل الفعّال داخل المؤسسة.
رفع التنافسية الحكومية، أدّت ممارسات الاتصال المؤسسي إلى تعزيز التنافسية الحكومية بشكل ملحوظ، إذ أبرزت الجهات إنجازاتها وتميّزها وقوتها الاتصالية، مما عزّز من حضورها وتنافسيتها محليًا وعالميًا، إضافة إلى إنشاء حسابات خاصة بخدمة المستفيدين، مثل: أبشر التابع لوزارة الداخلية، الصحة 937، وحساب العناية بالمستفيدين التابع لوزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية.
رفع كفاءة الحملات الحكومية واتساع أثرها، الحملات الاتصالية أصبحت أكثر مهنية، إذ تُبنى وفق أبحاث وخطط، وتسير في نسق اتصالي واضح، وجمهور محدد مسبقًا، يتجلى ذلك في المشهد السعودي الحالي، حيث تتسابق الجهات الحكومية في إطلاق الحملات الإعلامية المبتكرة والقريبة من الجمهور، فلا يكاد يمر مناسبة أو حدث إلا وتميّزت جهة حكومية بحملة إعلامية جذبت الجمهور وحققت تفاعلًا وأثرًا واضحًا.
ختامًا
أسهمت الثورة الرقمية ورؤية السعودية 2030، وتنامي حضور الجمهور الرقمي في إعادة تشكيل دور الاتصال في الجهات الحكومية بالسعودية؛ ليصبح أكثر شمولًا واحترافية تحت مسمى «التواصل المؤسسي»، وبرزت مع ظهوره مفاهيم حديثة لم تكن موجودة من قبل، مثل: الاتصال الاستراتيجي، وإدارة الأزمات، والسمعة المؤسسية، والهوية المؤسسية، ومع تنامي الاهتمام بهذا القطاع سيتجه نحو مزيد من التكامل والاعتماد على البيانات في تحليل الجمهور، واستخدام الذكاء الاصطناعي في التنبؤ بالسلوك الاتصالي، وبناء حملات تستند إلى مؤشرات قياس دقيقة، ليكون بذلك علمًا قائمًا على التحليل لا ممارسة إعلامية فقط، وواحدًا من المحركات الرئيسة لجودة الأداء الحكومي.













