نعتقد في أوقات الرخاء أننا أسياد قراراتنا، نملك قائمة من العلامات التجارية المفضلة، وقهوة صباحية لا نتنازل عنها، وتطبيقات تسوق نثق بها. نسمي هذا «ولاء»، ويسميه خبراء التسويق «القيمة الذهنية للعلامة» (Brand Equity). لكن الحقيقة المجردة تخبرنا أن معظم سلوكنا الاستهلاكي ليس إلا عادات تجمدت مع الوقت، وقرارات اتخذناها ذات يوم ثم تحولت إلى عادة لأن العالم من حولنا هادئ بما يكفي لنكون كسالى في اختياراتنا.
حين تحل الأزمات، تنكسر قوالب العادات المتجمدة، وتذوب الأسباب القديمة للشراء، مثل التباهي أو الوجاهة الاجتماعية، لتفسح المجال لمحركات نفسية أكثر عمقًا وتعقيدًا. لا نتوقف فيها عن الشراء، إنما نُنفق بطريقة مختلفة.
من الملفات الكبيرة إلى الملفات الصغيرة
إذا عدنا بذاكرتنا إلى عام 2020 في عز أزمة كورونا، سنجد أن الأسواق شهدت طفرة هائلة في مبيعات القلايات الهوائية، وكراسي المكاتب، وأدوات الرياضة المنزلية. في الظاهر، كان الأمر مجرد تأقلم مع الحجر المنزلي، لكن في العمق، كانت تلك محاولة نفسية لإنقاذ الذات.
حين يشعر الإنسان بفقدان السيطرة على «الملفات الكبيرة» من اقتصاد وصحة عامة، فإنه يتجه لا شعوريًا لفرض السيطرة على «الملفات الصغيرة». إذا كنت لا أستطيع التحكم في العلاقات الدبلوماسية، سأتحكم على الأقل في تنظيم مطبخي أو إتقان صنع كوب القهوة المثالي. في تلك الفترة، كان نجاح تطبيقات مثل «stc pay» وسيلة استعاد بها الفرد قدرته على إدارة ماله والتحكم بمدفوعاته في وقت كان فيه كل شيء آخر خارج السيطرة. الدرس هنا للمسوق الذكي: في الأزمات، لا تبع منتجات، وبِع «القدرة على التحكم».

من الوجاهة إلى الموثوقية
في الرخاء، تميل الرسائل التسويقية نحو «الوجاهة»، نشتري السيارة التي تزيد من بريقنا الاجتماعي، والساعة التي تعكس نجاحنا. لكن في الأزمة، تصبح «الموثوقية» هي العملة الصعبة. يسأل المستهلك نفسه: هل أحتاج فعليًا لهذا المُنتج؟ وهل يمكنني الاعتماد عليه؟
هنا تبرز قيمة علامات مثل «المراعي». في كل مرة تضطرب فيها سلاسل الإمداد، لا تحتاج المراعي للحديث عن جودة الطعم، بل يكفي أن يرى المستهلك شاحناتها الخضراء تجوب الشوارع وتملأ الأرفف. هذا الوجود الدائم هو «رمز أمان» أقوى من أي حملة إعلانية. وبالمثل، نجد تجربة «هيونداي» في أزمة 2008 العالمية حين أطلقت برنامج «الضمان» الذي يسمح للمشتري بإعادة السيارة إذا فقد وظيفته. لم يبيعوا السرعة أو الرفاهية، بل باعوا «الأمان من الفشل المالي» مما جعل منهم الشركة الوحيدة بين كبار قطاع السيارات التي حققت نمو في ذلك العام.

ما بين الضروريات والمسرات
لا ينظر المستهلك إلى رصيده البنكي ككتلة واحدة، بل يقسمه في عقله إلى «مجلدات ذهنية». هناك مجلد للضروريات، وآخر للمستقبل، ومجلد صغير جدًا ولكنه حيوي يسمى «الملاذ».
في الأزمات، يخضع مجلد الضروريات لرقابة صارمة، وهنا ينكسر الولاء التقليدي. إذا ارتفع سعر المكرونة المفضلة بشكل غير مبرر، سيلجأ المستهلك لتجربة علامات أخرى، ليكتشف أنها تمنحه جودة مشابهة بسعر أقل، وبمجرد انكسار درع الولاء هذا، يصعب ترميمه مرة أخرى.
لكن مجلد «الملاذ» يعمل بشكل عكسي، وهو ما يعرف بـ «تأثير أحمر الشفاه» (Lipstick Effect). تاريخيًا، ترتفع مبيعات السلع الفاخرة الصغيرة في الأزمات. حين لا يستطيع الفرد شراء منزل جديد أو السفر للخارج، فإنه يعوض ذلك بشراء «مسرات صغيرة» يسرق من خلالها لحظة مكافأة وجرعة دوبامين.
ولادة الولاء الجديد
الأزمات هي ساعة الحقيقة لكبار السوق، والفرصة التاريخية لمن يجرؤ من الصغار. حين تنصهر العادات، يتحرر العميل من «وضع الطيران الآلي»، ويصبح متاحًا لمن يلمس احتياجه الفعلي. الولاء في هذه الأوقات يُبنى بـ «المنفعة تحت الضغط» وليس بالشعارات الرنانة.
حين تنحسر العاصفة وتتغير عناوين الصحف، يبقى أثرها ساكنًا في السلوك؛ فالمستهلك الذي ذاق جودة المنتج المحلي أو سلاسة الحل الرقمي لن يعود إلى الوراء، والثقة التي خُدشت لن تُرمم بسهولة. العادات التي انصهرت ستتجمد مجددًا، ولكن في قوالب مختلفة تمامًا. العلامات التي انحازت للإنسان في لحظة قلقه، هي من ستسكن ذاكرته طويلاً في عالم ما بعد الأزمة.













